أ.د/
جابر قميحة
لبيت دعوة الأخ الدكتور الأديب الشاعر عبد الولي الشميري للاشتراك في ندوة الملتقى الثقافي الذي عقده على ظهر الباخرة"السرايا"الراقدة على صفحة النيل بالجزيرة، وكان موضوع الندوة ـ أو المناظرة ـ"الأصالة والحداثة"وأمام جمهور كبير من المثقفين وأساتذة الجامعة، والشعراء، والأدباء، ورجال الصحافة، وكذلك من المتشاعرين والمتأدبين، وعلى مدى ثلاث ساعات ساخنة اشتد بيننا النقاش والجدل، وكنت واحدًا من ثلاثة يناصرون الأصالة في مواجهة ثلاثة يناصرون الحداثة، ويمثلونها بل يعيشونها، وأنا في هذا المقال لا أعرض وصفًا وتحليلًا لهذا الملتقى، فهي مهمة الإخوة الصحفيين، ولكني أعرض ـ بإيجاز شديد ـ رؤيتي التي طرحتها في هذا الملتقى، واعتمدت في عرض رؤيتي على الارتجال ـ غير المكتوب ـ انطلاقًا مما ألقاه المشاركون الآخرون، وتعليقًا عليه، موافقة وتأكيدًا، أو رفضًا ونقضًا، أو إنشاء وإبداعًا، وما أقدمه في هذا المقال لا يعتبر تكرارًا لما طرحته في المناظرة؛ لأنه لا يمثل نقلًا حرفيًا، ولكن خطوطًا عريضة لما قيل؛ ولأن عدد الذين حضروا اللقاء، وإن أربوا على خمسمائة، لا يمثلون أكثر من واحد بالمائة ممن يقرءون ما كتبته في الصحف عن الحداثة، أي أن الغالبية العظمى تتلقاه لأول مرة.
الحداثة المقبولة
إننا نرتكب خطأ فادحًا لو رفضنا الحداثة بإطلاق، وكذلك لو قبلنا الحداثة بإطلاق، والصحيح أن نقبل الحداثة إذا قصد بها: التجديد المتزن الذي يعتمد على ركيزتين:
الأولى: مراعاة معطيات التراث، ورصيدنا الديني والقيمي عقيدة، وفكرًا، وتاريخًا.
والثانية: الاستعانة بالأساليب الجديدة، والآليات الفنية والأدبية الحديثة التي تُكسب الإبداع مزيدًا من القدرة والثبات والتأثير والانتشار.
فهي إذن عملية"توفيق"عاقلة، تتفادى التحجر والجمود من ناحية، وتتفادى الطيش والاندفاع والإسراف والتطرف من ناحية أخرى، والحداثة بهذا المفهوم تعني"التجديد العاقل المنتج الذي يسعى إليه من يملك ـ بحق ـ آليات الإبداع، ومتطلبات الفن الصحيح السديد".
الحداثة المرفوضة..
أما الحداثة المرفوضة فهي تلك القائمة المقيمة على الساحة المصرية والعربية، ويتولى كِبْرها ـ بالنصيب الأكبر ـ من يطلق عليهم شعراء السبعينيات، ونحن نستخلص أبعاد هذه الحداثة وسماتها من مصدرين أساسيين:
الأول: أدبيات هؤلاء الحداثيين وإبداعاتهم، وخصوصًا الشعر.
والثاني: التنظيرات والتقييمات التي قدمها، ويقدمها الكتاب والنقاد الحداثيون، والذين يقفون في صف الحداثة، ويباركونها في دراسات ومقالات وكتب لعل أهمها وأضخمها كتاب: إدوارد الخراط"شعر الحداثة في مصر"ويقع في قرابة سبعمائة صفحة، وأصدرته الهيئة العامة لقصور الثقافة في ديسمبر 1999م.
ويدخل في هذا النطاق ـ كذلك ـ ما يبوح به الشعراء الحداثيون في ندوات، ولقاءات، ومقالات يشرحون فيها وجهتهم، وأبعاد مذهبهم، ومنهجهم الفني. ولعل الغموض الشديد الكثيف الذي يستعصي على أي عقل أهم سمات"القصيدة الحداثية"وأفدح عيوبها، وأذكر ـ بهذه المناسبة ـ أن أحد"الشعراء الحداثيين"قرأ عليّ القصيدة التي يعتز بها، فلما أبديت له عجزي عن فهمها، ظهرت على وجهه أمارات السعادة، وقال: شهادتك هذه تدل على أنني ـ وُفقت إلى أقصى حد ـ في نظم هذه القصيدة؛ لأن الهدف ليس"الإفهام"ولكن الغاية التي نجحتُ في تحقيقها هي أن قصيدتي"خلعتك"من جو"الصحو المكشوف"إلى جو"العبير الغامض" (!!) .
كما أذكر أنني وزعت على طلاب السنة النهائية بالجامعة قصيدة"مشهورة"لحداثي، وطلبت منهم أن يكتبوا مضمونها في إيجاز شديد، أو ـ على الأقل ـ الفكرة الرئيسية فيها, فعجزوا جميعًا.
ويذكر من حضروا الملتقى الأخير"بالسرايا"أنني عرضت عدة أسطر من قصيدة حداثية على"شاعر حداثي"مشهور، وطلبت أن يكتب لي فكرتها الرئيسية في سطرين أو أكثر، فأتاني ـ بعد انتهاء اللقاء ـ مبديًا أسفه وعجزه عن فهم المكتوب.
وكل أولئك كان ردًا عمليًا عما ينقض اتهام زملينا"الناقد الحداثي الجامعي الكبير"لنا بأن"انغلاق"القصيدة الحداثية لا يرجع إلى غموضها، ولكن يرجع إلى"عجزنا"عن الفهم، أو لقراءتنا لها"قراءة رديئة".
الغموض الخلاق ؟؟!!!
ولكن الأستاذ إدوارد الخراط ـ ومعه حداثيون آخرون ـ يعترفون بهذا الغموض، غير أنهم يصفونه"بالغموض الخلاق"فالشاعر الحداثي ـ على حد قولهم ـ"يحاول أن يحقق صورة عن العالم مكتنزة الدلالة، وممتلئة بمعان لا تستنفدها الأزمان، وهو حين يدخل عتامة الغموض والتركيب، فإنما يفعل ذلك وعيًا بضرورة أن تكون قصيدته علامة تدل على العالم وتفعل فيه".
ومعذرة ـ أيها القارئ ـ هل فهمت شيئًا؟ أنا شخصيًا لم أفهم شيئًا!! إنه التمادي في التمادي، والغموض المركب بالغموض، فكيف يكون هذا الغموض،"خلاقًا"يا عالم؟!!
غموض.. غموض.. غموض