فهرس الكتاب

الصفحة 16751 من 27345

تتمة سورة القلم-4-

الحلقة التاسعة - الجمعة 7 من رمضان 1395هـ 12 من أيلول 1975م

العلامة محمود مشّوح

"كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- غير مسجل في بداية هذه الخطبة -على الشريط- لكنه من الواضح أنه يتابع الحديث في سورة القلم، على قضية أصحاب الجنة، حيث يتكلم عن صاحب القصة وزمانها"فيقول:

ليس مهمًا أن يكون معروف النسب ولا معروف زمان المسألة؛ كان يمتلك بستانًا فيه من الثمرات ما لذ وطاب، وكان عظيم التعرف على حقوق الفقراء الذين حرموها بأيدي الوارثين السفهاء المانعين لحقوق الناس التي شاءها الله في هذه الثمار، فالله جل وعلا ساق هذه القصة على مسامع أهل مكة المشركين ليعرفهم أياديه. وإنعامه عليهم بأن جعل لهم حرمًا آمنًا، وعزة مستقرة، وتجارة دائمة.

ومع ذلك بالرغم من كل هذه النعم كفروا بأنعم الله جل وعلا، وأعرضوا عما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعرض هذه القصة مع عاقبتها كيف جرى الاجتياح ثم يغلظ ربنا جل وعلا العاقبة فيقول: (كذلك العذاب) أي هكذا يكون العذاب في الدنيا مَحْقًا ومحوًا وإهلاكًا (ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) .

ها نحن الآن نستعرض بقية سياق الآيات:

يقول الله جل وعلا عارضًا قضية أخرى: (إنَّ للمُتقين عِنْدَ رَبهمْ جَنات النعيم أفنجْعلُ المسلمينَ كالمُجرمين مَا لَكمْ كيْفَ تَحكمُون أم لكم كِتابٌ فيه تدرسون إنَّ لكم لما تخيرون أمْ لكم أيمانٌ علينا بالغةٌ إلى يَوْم القيامة إن لكم لما تَحْكمُون سَلهم أيُهم بذلك زَعيم أمّ لهم شُركاءُ فليأتوا بِشُركائهم إنْ كانوا صَادقين يَوْمَ يُكْشفُ عَنْ سَاقٍ ويدعَونَ إلى السُجودِ فَلا يَسْتطيعونَ خاشعةً أبصَارُهم تَرهَقُهم ذِلّة وَقَدْ كانوا يُدعَونَ إلى السُجُودِ وَهم سَالِمون)

سنأتي على البقية فيما بعد، نلقي الآن نظرة عابرة على مدلول الآيات التي تلوناها ونحاول أن نتعرف على القضية التي أبرزتها هذه الآيات. ينبئ الله جل وعلا عباده عن عاقبة المتقين عنده فيقول:

(إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم)

هذه قضية تلقى هكذا بمعرض التقرير وبمعرض التأكيد على اعتبار أنها أو أريد لها أن توحي بأنها في محل البداهة، التي لا تناقش، إن الله جل وعلا حكم وقدر وقضى بأن يكون للمتقين عنده الجنات التي ينعمون فيها وأورد ذلك مورد التأكيد وأخرجه مخرج التقرير ليدلل بذلك على أن هذا التقرير مقتضى عدل الله جل وعلا ثم يشرح المسألة نفسها شرحًا آخر:

(أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ مالكم كيف تحكمون?) .

في نظرة الحياة الدنيا.

وفي نمط النسيان الذي يعتري الإنسان يظن من لا خلاق له، من لا تقوى عنده، ومن لا شيء له عند ربه يظن أنه له عند الله الزلفى. يحسب أن ثواب الله يحصل بجاه أو بمال أو بنسب وما درى هذا المسكين أن هذا التصور الأحمق الأبله تصور لا يكون لا يستقيم في منطق العقل، وفي منطق الحس أن أسوي أنا المخلوق بين الصالح والطالح فكيف يسوي الله جل وعلا بين المسلم والكافر. ملاحظة ينبغي أن لا تغيب عن بالنا؛ الله تعالى يقول:

(أفنجعل المسلمين كالمجرمين) .

ألم يكن مغنيًا في هذا السياق، أن يقول الله تبارك وتعالى: أفنجعل المسلمين كالكافرين.

لماذا عدل الله جل وعلا عن لفظ الكافرين إلى لفظ المجرمين - في مقابلة المسلمين - أو ليس في عرفنا، العرف الشرعي أن الكافر نقيض المسلم، وأن بين اللفظين تقابلًا يستدعي أحدهما الآخر لمجرد النطق والتلفظ، كلما قلت مسلم توارد إلى خاطرك نقيض المسلم وهو الكافر. ففي ظاهر الأمر كان يجب -دون استدراك على الله طبعًا- أن يكون سياق الآية: أفنجعل المسلمين كالكافرين لكن الله جل وعلا عدل عن هذا التركيب، عدل عن الوضع اللغوي ليأتي بلفظة مفردة تحمل في طياتها إشارة كاملة لكل ما ينطوي تحت الجرم، والجرم من مآسي وسيئات جاء بلفظ المجرم في مقابلة المسلم ليطابق أتم مطابقة بين الكافر وبين المجرم؛ انتبهوا نحن نسمي المجرم مجرمًا لماذا؟ نرجع إلى حقائق اللغة في مادة اللغة نأتي إلى اللفظة جَرَمَ. المؤلفة من الجيم والراء والميم. فتدل معنا على عدة معان سأشير إلى بعضها:

جَرَمَ وجَذَمَ؛ بمعنى قطع وهدم. وجَرَمَ وجَمَرَ؛ بمعنى أحرق وأشعل.

يكفينا هذان المعنيان من أصل المادة من الجذر اللغوي، لنتساءل عن السر في سياقة المجرمين في مقابلة المسلمين؛ ماذا فعله هؤلاء الكافرون في الواقع. هم هدموا المجتمع الإنساني هدمًا، نقضوه حجرًا عن حجر؛ فهم من هذا المعنى مجرمون. في الواقع أيضًا هم أحرقوا الدنيا، وأي سلام يبقى في الدنيا مع سيادة الكفر؛ بما فيه من معنى الظلم والعدوان والاقتتال فالمعنيان ملحوظان في الكافرين الذين سماهم الله جل وعلا بالمجرمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت