فهرس الكتاب

الصفحة 25713 من 27345

نَظَراتٌ في حَديثِ الأعمالُ بالنيات)

د. محمد عمر دولة*

لحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرفِ المرسَلِين، وعلى آلِه وصَحبِه أجمعين. وبعد،

فقد كَتَبتُ في أهمِّيةِ النِّيةِ مَراتٍ.. وذَكَرْتُ حديثَ (الأعمال بالنيات) ، واستَشهَدتُ به في مُناسباتٍ.. ولكنَّني أشعُرُ اليومَ.. كأنَّنِي ألقاهُ أولَ مَرةٍ.. وأسْمَعُ كلماتِه لأولِ وَهْلَة!

فأنا أقِفُ عنده وِقْفةَ الرجلِ الذي ينظرُ مِن أسْفلِ الجبلِ إلى أعلاه! مُستَعِينًا باللهِ أن أتبيَّنَ مِن مَعانِيهِ فِقهًا جديدًا لم أعرِفْهُ مِن قَبلُ، فإنْ أصَبتُ فبِفَضلِ الله، وإن كانت الأخرى فهي مُحاولةُ العاجزِ القاصِرِ ذي البضاعةِ المزجاة!

فقد روى أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب الملهَمُ المُحَدَّثُ [1] رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم على المنبرِ قال: (إنَّما الأعْمالُ بالنِّيات، وإنَّما لِكُلِّ امرىءٍ ما نَوَى؛ فمن كانت هِجرتُه إلى الله ورسولِه؛ فهجرتُه إلى الله ورسولِه، ومن كانت هِجرتُه لدنيا يُصِيبُها أو امرأةٍ يَنكِحُها؛ فهِجرتُه إلى ما هاجرَ إليه) . [2]

وتأمَّلْ هذه الكلماتِ العَذْبَةَ.. (إنَّما الأعْمالُ بالنِّياتِ، وإنَّما لِكُلِّ امرىءٍ ما نَوَى) .. ما أبدَعَها وأرْوَعَها! وما أجْمَلَها وأجْمَعَها!

إنها كَلِماتٌ مُبارَكةِ.. مِن عِلمِ النُّبوةِ ونُورِ الهدايةِ وفَيضِ الرسالةِ! قالَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قبلَ أربعةَ عشرَ قرنًا مِن الزمان؛ فلم يَخْبُ نُورُها على تَعاقُبِ القُرُون، ولم يُطْفِىءْ بَرِيقَها تَوالي الأيامِ والسِّنين؛ بل بَقِيَتْ كما هي على الدَّوامِ.. نُورًا وضِياءً وحِكْمةً وإشْراقًا؛ فصَلَّى الله وسَلَّمَ وباركَ على مَن أُوتِيَ جَوامِعَ الكَلِم؛ فَشَفَى وكَفَى ونَصَحَ فأوْفَى؛ (وما يَنْطِقُ عن الهوَى إنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى) ! [3]

1)عناية العلماء بحديث (الأعمال بالنيات) :

لقد اهتَمَّ أهلُ العِلمِ بهذا الحديثِ الجلِيلِ، واعتَبَرُوه مُتضَمِّنًا ثُلُثَ العِلمِ أو رُبعَه. واستَحبُّوا أن تُستَفْتَحَ به الكُتبُ؛ لاشتِمالِه على رأسِ الأمرِ وأساسِ الدِّينِ وبابِ القَبول: وهو الإخلاصُ لله عزَّ وجَلَّ.

فقد ذَكَرَ البيهقي في (السُّنن الصُّغرى) "أنَّ محمد بن اسماعيل قال: قال عبد الرحمن بن مهدي: مَن أراد أن يُصنِّفَ كتابًا؛ فليبدأ بحديثِ الأعمال بالنيات. وقد استعملَه محمد بن اسماعيل البخاري رحمه الله؛ فبدأ الجامع الصحيح بحديث (الأعمال بالنيات) ، واستعْمَلْناه في هذا الكتابِ فبَدَأْنا به. وكان الشافعي رَحِمَه الله يقول: يَدخُلُ في حديثِ (الأعمال بالنياتِ) ثُلُثُ العِلم؛ وهذا لأنَّ كسبَ العبدِ إنما يكون بِقلبِه ولِسانِه وبَنانِه، والنيةُ واحدةٌ مِن ثلاثةِ أقسامِ اكتِسابِه، ثم لِقِسمِ النيةِ تَرجِيحٌ على القِسْمَين الآخَرَين؛ فإنَّ النيةَ تكون عِبادةً بانفرادِها، والقولُ العاري عن النيةِ والعملُ الخالي عن العقيدة لا يكونان عِبادةً بأنفسِهما؛ ولذلك قيل: نيةُ المؤمنِ خيرٌ مِن عَمَلِه". [4]

قال ابن حجر رحمه الله:"وكلام الإمام أحمد يَدلُّ على أنه أرادَ بِكَوْنِه ثُلثَ العِلمِ أنه أحدُ القواعدِ الثلاث التي تُرَدُّ إليها الأحكامُ عِندَه، وهي هذا الحديث و (مَن عَمِلَ عَملًا ليس عليه أمْرُنا فهو رَدٌّ) و (الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بَيِّنٌ) ". [5]

وقد ألَّفَ السيوطي رحمه الله في هذا الحديث كتاب: (منتهى الآمال في شرحِ حديثِ إنما الأعمال) . وقال الشوكاني رحمه الله:"في الحديث فوائد مبسوطة في المطوَّلات لا يَتسِعُ لها المقامُ؛ وهو على انفِرادِه حَقِيقٌ بأن يُفرَدَ له مُصَنَّفٌ مُستَقِلٌّ". [6]

وقال الحافظ ابنُ حجر:"تواترَ النقلُ عن الأئمةِ في تعظيمِ قَدرِ هذا الحديث. قال أبو عبد الله: ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث. واتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي ـ فيما نقله البُويطي عنه ـ وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وأبو داود والترمذي والدارقطني وحمزة الكناني على أنه ثلث الإسلام، ومنهم مَن قال: رُبعه، واختلَفُوا في تعيِينِ الباقي. وقال ابنُ مهدي أيضا: يدخلُ في ثلاثين بابًا من العلم. وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابا. ويحتمل أن يريدَ بهذا العَددِ المبالَغة. [7] وقال عبدُ الرحمن بن مهدي أيضا: ينبغي أن يُجعَلَ هذا الحديثُ رأسَ كلِّ باب". [8]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت