فهرس الكتاب

الصفحة 3970 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

إنَّ من أخطر عيوب المسلمين اليوم يبرز في الواقع الإداري. اختلطت الإدارة في واقع المسلمين بالأهواء الفردية المتصارعة، والمصالح المتضاربة والعصبيات الجاهلية، حتى لم يعد هناك رقيب ذاتي نابع من الإيمان الصادق والعلم الصادق بمنهاج الله، وحتى لم يعد هنالك حوافز إيمانية تدفع المسلم إلى الوفاء بعهده مع الله، العهد الذي طوته القرون فغاب عن وعي المسلمين، وغاب عن نهج الدعوة، ونهج التربية والبناء، وغاب عن ميدان الممارسة الإيمانية.

اختلطت الإدارة بكثير من أمراض المسلمين، واختلطت بالمفاهيم الغربية التي احتلت مكانة عالية في أذهان الكثيرين. وأخطر ما في هذه المفاهيم الانفصال الكامل في حياة الإنسان بين الفكر والممارسة في الواقع من ناحية وبين التصور للآخرة من ناحية أخرى. لم يعد لتصوّر الدار الآخرة من أثر في كثير من نواحي الفكر والممارسة، حتى حين يحمل الفكر والممارسة شعار الإسلام أحيانًا. لقد أصبح الفكر"ماديًّا"مرتبطًا بوقائع الحياة الدنيا وحدها معزولًا عن الآخرة، وتبعته الممارسة في معظم ميادينها، وانحصر شعار الآخرة في ظاهرة المساجد والمحاضرات والكتب أو بعضها، إلا لدى القليل ممن رحمهم الله. إنَّ التصور الإيماني الصادق يقضي بأن ينبع الفكر كلّه وتنبع الممارسة كلها من حقيقة الإيمان كما يعرضه منهاج الله، ومن قواعد منهاج الله، حيث ترتبط الدنيا كلها وميادينها وأنشطتها كلها بالدار الآخرة، سواء أكانت القضية أدبًا ( شعرًا أو نثرًا أو قصةً أو غير ذلك) ، أم خُلُقًا أم تشريعًا أم سياسةً أم اقتصادًا أم غير ذلك.

وبغير هذا الوعي والتصور لا يمكن أن يستقيم أمر المسلمين، ولا يمكن أن يصدق فكر ولا ممارسة، ولا أن ينهض اقتصاد ولا سياسة ولا إدارة.

إنَّ هذا الانفصال في واقع المسلمين بين شؤون الحياة الدنيا وبين الآخرة ولَّد اضطرابًا خطيرًا في شخصية المسلم الذي يصلّي ويصوم ويؤدي الشعائر كلّها أو بعضها، على صورة مستمرّة أو متقطعة.

ترى، في ظاهر الأمر كما يبدو لنا، أن من المسلمين من يدخل المسجد فيصلي، وإذا جاء رمضان صام، وإذا استطاع الحج أدّى الفريضة، وهكذا حتى إذا خرج إلى الحياة الدنيا فمارس التجارة انقطعت ممارسته عن قواعد الإيمان وخشية الله والدار الآخرة، خشية واعية صادقة ملتزمة بعلمٍ حقٍّ من منهاج الله. وإذا مارس الأدب أصبح حداثيًا غربيًا ماديًّا، وإذا مارس الاقتصاد أصبح رأسماليًا أو اشتراكيًا يُحلّ الربا ويسوّغ أفكار الغرب والشرق، وإذا مارس السياسة كان غادرًا مخادعًا يرى الغاية تسوّغ الوسيلة مهما كانت غارقة في الفساد والإجرام، وإذا عمل في الإدارة حرّكته مصالحه وأهواؤه ووجّهته مخاوفه الدنيوية وعصبياتها الجاهلية.

لم يعد بعض المسلمين اليوم يرون الحياة في جميع ميادينها نهجًا واحدًا ممتدًا يرتبط بالآخرة ارتباط إيمان ويقين، على قواعد منهاج ربّاني متكامل. أصبح من المتعذّر على بعض المسلمين أن يتصوروا أن هنالك نظامًا إداريًا أو نظريات إدارية غير ما أتانا من الغرب والشرق مما يحلّ النظرة المادية. لم يعد هؤلاء يستطيعون أن يتصوروا أن الإسلام قادر على تقديم نظريات إدارية وقواعد إدارية ونظام إداري متميّز عما لدى الغرب، واسترخت العزائم وشُلّت القوى عن التفكير بذلك واستسلمت في تبعيّة ذليلة.

هذا الانفصال في أعماق بعض المسلمين اليوم بين ميادين النشاط في الحياة الدنيا وبين الآخرة هزَّ شخصيّة المسلم وولّد في داخله صراعًا خفيًّا ينكشف على صورة ردود فعل آنيّة وحركات ارتجالية، ومواقف متضاربة، وآراء متناقضة.

هذا الانفصال نراه السبب الأول في اضطراب الإدارة في حياة المسلمين، وفي ضعفها، وفي ما ينتج عن ذلك من ضياع كبير للجهود والأوقات والأموال والمواهب والقدرات.

والسبب الثاني لاضطراب الإدارة وضعْفها ناتج عن السبب الأول. ولكن نبرزه كسبب ثانٍ لأهميته وخطورته. هذا السبب هو عدم احترام الوقت في حياة المسلم اليوم، حيث يضيع وقت كبير جدًا بين سوء التقدير وسوء التدبير، إلا إذا كان الوقت مرتبطًا بالمال وكسبه والدنيا وزينتها. ولم يعد الوقت مرتبطًا بمعنى العبادة.

لقد أعطى الإسلام أهمية كبيرة للوقت، سواء في ناحية التقدير والاهتمام وناحية التدبير والتنظيم. إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وجعل عليه تكاليف في الحياة الدنيا، وقدرها له تقديرًا ابتلاءً منه سبحانه وتعالى، لتكون هذه التكاليف هي محور العبادة التي خُلِقَ الإنسان لها ومحور الأمانة التي حَمَلها، ومحور الخلافة التي جُعلتْ له، وأساس العمارة التي أُمرَ بها. عبادة وأمانة وخلافة وعمارة تصور مسؤولية الإنسان في الحياة الدنيا من جميع جوانبها:

وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي قدّر الوقت للإنسان في الحياة الدنيا:

( … والله يُقدِّر الليل والنَّهار …… )

[ المزمل: 20 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت