فهرس الكتاب

الصفحة 3971 من 27345

وقضاء الله حق، وقدره حق:

( والله يقضي بالحقِّ والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيءٍ إن الله هو السميع البصير )

[ غافر: 20 ]

فالوقت الذي قدره الله وقضى به لعباده وقت عادل للوفاء بالعبادة والأمانة والخلافة والعمارة، وقت كاف للوفاء بالعهد الذي أخذه الله من بني آدم كلّهم في عالم الذرّ، والذي أخذه من الأنبياء كلّهم ومن شعوبهم، والابتلاء هو محور الوفاء بذلك كلّه وأساسه.

إنَّ الإنسان مبتلى ليوازن بين جميع التكاليف التي وضعها الله في عنقه والوقت الذي قدّره الله وقضى به لذلك. إنها الموازنة الأمينة العادلة التي تقوم على أساس الإيمان الصادق والعلم بمنهاج الله ووعي الواقع من خلال منهاج الله.

والإدارة في الإسلام هي التي توجّه الجهد البشري وتُنظّمه ليؤدّي أعلى إنتاج في سبيل الله، طاعة لله وعبادة لله، في أقصر وقت، وعلى أعلى درجة من الإتقان. وهي التي تُحدّد المسؤوليات والصلاحيات ليعرف المسلم حدوده فيقف عندها، ويعرف مسؤوليّاته فيبادر إليها بحوافزه الإيمانية، دون أن تُعطّل الحوافز الإيمانية حقّه المشروع في الأجر والمكافأة والتعويض وغير ذلك مما يحتاجه في حياته من تأمين ورعاية.

عندما يقع الانفصال الذي عرضناه، ويُهدر الوقت كما نراه، لا يمكن للإدارة الإيمانية أن تتحقّق في واقع الحياة حين يعاني المسلم من الصراع الداخلي الخفيّ كما ذكرنا قبل قليل.

ونضرب مثلًا على نتيجة هذا الصراع النفسي الخفيّ الداخلي. فحين يعمل المسلم مع شركة أجنبية لها نظامها وإدارتها الحازمة، نجده ينضبط كلَّ الانضباط. يستيقظ باكرًا ويحضر إلى عمله الساعة الثامنة مثلًا إذا كان هذا هو الوقت الرسمي لبدء العمل، وربّما يحضر قبل ذلك. ولو فرضنا أن نفس هذا المسلم كُلِّف بعمل رسمي في ميدان المسلمين، أو في إدارة غير حازمة، بعمل له نظامه ووقت بدء العمل وغير ذلك، فإنك تجده يتأخر ساعة أو ساعتين. ولو سألته عن سبب التأخر لوجد لك ألف عذر يسوّغ به إهماله وتقصيره.

ليس هذا المثل ضربًا من الخيال. إنه الواقع المتكرر في حياة المسلمين بشكل متكرر، حتى بدا أن حوافز الدنيا هي التي تُحرّك معظم المسلمين اليوم معزولة عن الحوافز الإيمانية، إلا من رحم ربّك.

شاب مسلم يصلي ويصوم ويحج يؤدي الشعائر كما تراه. كُلِّف بعمل بين المسلمين، فكان لا يستيقظ إلا بعد العاشرة صباحًا حتى إذا عوتب في ذاك قال لا أستطيع أبدًا. النوم سلطان لا أقوى على مقاومته. وشاء الله له أن يعمل في شركة أجنبية، فإذا هو من السابعة والنصف على رأس عمله أو قبل ذلك. هذا واقع لا خيال فيه.

ومثل آخر متكرر. رجل يعمل زمنًا طويلًا في دائرة من الدوائر يبدأ عملها مبكرًا، فيلتزم ما دامت الإدارة حازمة، حتى إذا ترك هذا العمل إلى عمل آخر بين المسلمين، يثقون به وبدينه وتركوه لذلك، تغيّر حاله وبدأ عهد الاسترخاء والتفلّت. وكان يلتزم التعليمات الصادرة له في عمله الأول لا يجرؤ على مخالفتها إلا بالحيلة إذا شاء. ولكنّه في عمله الثاني لم يعد يرى نفسه ملزمًا بتنفيذ التعليمات، وربما رأى أنه هو الذي يجب أن يُصدر التعليمات فيما يعنيه وفيما لا يعنيه. وإذا نُبّه إلى ذلك تدفّقت المسوّغات والأعذار والإصرار على الهوى.

ورجل آخر يلتزم الوقت والتعليمات في عمله ووظيفته، حتى لو كانت التعليمات فاسدة مخالفة للإسلام. ولكنه اعتاد نوم الظهيرة أو بعد الظهيرة حتى قبيل المغرب. وإذا نُبّه وجد من الأعذار ما يخدع به نفسه من أنه إذا لم ينم بعد الغداء هذا الوقت الطويل تتعب صحته ولا يحسن بعد ذلك عملًا. فلما ابتلاه الله بعمل تجاري ومقاولات طار النوم وخفَّ إلى السعي في الهاجرة وشدّة اللظى، وقلَّ نومه في الليل والنهار، واختفت الأعذار والمسوِّغات التي كان يطلقها للتفلّت من تكاليف ربَّانيّة التزم بها بعهده مع الله.

أصبح المسلم يظنُّ أن الإدارة والنظام واجبان عليه عند العمل مع غير المسلمين، أو إذا خضع لقوة قاهرة له. أما في دعوة الله، في دين الله، فإنه غير ملزم بذلك، كأن الإدارة والنظام ليسا من الإسلام ولا من الإيمان. وكأن الدعوة الإسلامية ميدان يستباح بالفوضى والهوى.

أصبح كثير من المسلمين يرون أن العمل بين المسلمين ميدان الأهواء لا ميدان الانضباط، وميدان التفلّت لا ميدان الالتزام، إلا بما يوافق الهوى والرغبة وأشكال المتعة واللهو.

يُروى أن أحد المسؤولين في إحدى البلاد العربية، كان يمرُّ في أحد الشوارع بعد الاستقلال. فرأى رجلًا يؤذي الشارع بقاذوراته وسلوكه. فنهاه وزجره فقال له: نحن نلنا استقلالنا ألا ننال حرّيّتنا ؟! هكذا أصبحت الحريّة تعني التفلّت والقذارة، وتحكّم الهوى والرغبات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت