فهرس الكتاب

الصفحة 2243 من 27345

الخطبة الأولى:

أمة الإسلام !

إن الله تعالى خلق الإنسان فسواه و عدله في أحسن تقويم و حمّله أمانة أبت السماوات و الأرض و الجبال أن يحملنها و أشفقن منها ( و حملها الإنسان إنّه كان ظلومًا جهولًا ) كما أخبر تعالى .

و بتحمل الإنسان هذه الأمانة لزمه أن يتقي الله فيها و أن يحرص على أدائها و أن يجند في سبيل ذلك ما استطاع قلبَه و عَقله و جوارحه .

و أهم ذلك كله قلبه الذي بين جنبيه ، الذي يناط بصلاحه صلاح الجسد كله ، فقد روى الشيخان عن النعمان بن يشير رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال رسول الله: (( ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله ألا و هي القلب ) ).

و القلب وعاء التقوى الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه و سلم ثلاثًا و هو يقول: (( التقوى ههنا ) )، فدل ذلك مجتمعًا على أن الجوارح ترجمان القلب فإن استقام استقامت و إن حاد حادت .

و إنما سمي القلب باسمه هذا لكثرة تقلبه ، و قد قيل:

و ما سُمّي الإنسان إلا لنسيه و لا القلب إلا أنّه يتقلّب

و قد ذكر القرآن الكريم ثلاثة أنواع من قلوب العباد:

أوّلها: القلب السليم: الذي سلمه الله من أمراض الشبهات و الشهوات و انتدبنا لنلقاه به فننال النجاة يوم نلقاه فقال تعالى: يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [الشعراء: 89] .

و وصف به خليله إبراهيم أبا الأنبياء عليهم السلام فقال عنه: إذ جاء ربه بقلب سليم .

و القلب الثاني هو: القلب الميت ، قلب الكافر الذي أشرب الكفر حتى ران عليه فمنع وصول الحق إليه، قال تعالى: و قولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليل ًا و وصف تعالى قلب الكافر بالقسوة فقال: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة .

أما القلب الثالث فهو القلب السقيم المثقل بمرض الشهوات أو الشبهات أو بهما معًا ، كما في قوله تعالى: ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض .

و قوله سبحانه: وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون .

أمّا في السنّة النبوية المشرفة فالقلوب نوعان ، و الحكم على القلب إنّما يكون بحسب موقفه من الفتن التي يتعرّض لها أو تعرض له .

عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله: (( تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب على قلبين قلب أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ) ) [رواه مسلم] .

و عن أبي هريرة أن رسول الله: (( إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداء في قلبه فإن تاب و رجع واستعتب( أي ندم ) صُقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي قال تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون )) [رواه الترمذي والنسائي] .

من يهُن يسهل الهوان عليه ما لجَرحٍ بميّتٍ إيلامُ

عباد الله:

قلوب العباد - إذن - على أنواع: منها السليم و منها السقيم ، فالسليم منها ما سلّمه الله من الفتن ، و السقيم ما أشربها و وقع في الذنوب .

قال عبد الله بن المبارك رحمه الله:

رأيت الذنوب تميت القلوب و قد يورث الذل إدمانها

و ترك الذنوب حياة القلوب و خير لنفسك عصيانها

فإذا سلّمنا بحقيقة مرض القلوب و أنّها واقع لا خيال ، و حقيقة لا وهم تعيّن علينا أن نبحث عن الدواء لأن الله تعالى ( لم ينزل داءًا إلا أنزل له دواءً عرفه من عرفه و جهله من جهله ) .

و لا سبيل إلى معرفة الدواء ما لم نقف على حقيقة الأدواء التي تصيب القلوب و هي كثيرة فتّاكة من أخطرها اتباع الشهوات و الشبهات:

إبليس و الدنيا و نفسي و الهوى كيف النجاة و كلّهم أعدائي ؟

فمن استسلم لشيء من ذلك و أسلم له القياد فقد اتبع هواه و أعرض عن مولاه ، قال تعالى: ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلًا ) [ الفرقان: 43] ، قال بعض السلف: هو الذي كلما هوي ( أي أحب ) شيئًا ركبه ( أي ارتكبه ) .

و من الرزايا الملمّة بالقلوب داء الإعراض عن كتاب الله تعالى ، و الانصراف عن شريعته ، و هذا سبب من أسباب قسوة القلوب التي ابتلي بها من أعرض عن الذكر و اتخذه وراءه ظهريًّا .

فإذا عرفنا الداء العضال الذي يصيب القلوب فلا بد من البحث عن الدواء و دفعه بقدر المستطاع ، و تطهير القلوب من درن المعاصي و آصار الذنوب فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في أوائل ما أوحى به إليه بطهارة القلب وتزكيته من أدرانه فقال تعالى: يا أيها المدثر قم فأنذر و ربك فكبر و ثيابك فطهر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت