فهرس الكتاب

الصفحة 2244 من 27345

وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم كما يقول ابن القيم رحمه الله على أن المراد بالثياب هنا القلب، والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والاخلاق كما قال ابن القيّم في ( إغاثة اللهفان ) .

و مما يطهر القلوب و ينقيها من الذنوب أمور من أبرزها:

الرجوع إلى كتاب الله القائل: و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين [الإسراء:82] ، قبل أن تحيق الندامة بمن أعرض عنه ، و يكون خصيمه رسول الله ذات يوم و قال الرسول يا ربّ إنّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا

و من أدوية القلوب أيضًا الانصراف إلى ذكر الله تعالى أو الإكثار منه ، إذ إن القلوب القاسية لا يلينها مثل الذكر و لا يهذبها مثل الطاعة و الانقياد لله تعالى ، و هو القائل: ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) ، و القائل في وصف عباده الصالحين: الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله [الرعد:28] .

فمن اطمأنّ قلبه بذكر الله و عُمر بمحبته ذاق حلاوة الطاعة و لذة الصدق مع الله تعالى .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة .

و من أسباب سلامة القلوب أيضًًا ما حصره ابن القيم في ( الداء و الدواء ) بالسعي إلى إحراز السلامة من خمسة أشياء: ومن شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر ، وغفلة تناقض الذكر ، وهوى يناقض التجريد والإخلاص .

اللهم إنا نسألك سلامة الجوهر و صلاح المظهر و السلامة و العافية من كل داء و بلاء .

الخطبة الثانية:

عباد الله !

إن مما يجلب الخير للفرد و المجتمع أن ننقي سرائرنا مما علق بها من أحقاد و ما عشعش فيها من أغلال تجاه بعضنا البعض ، و أن نتعامل مع المخالف وفق الضوابط الشرعيّّة .

فليتق الله أقوام زلت أقدامهم فوقعوا في أعراض إخوانهم و أوقعوا بين آخرين سواء بألسنتهم أو أيديهم أو وشايتهم إلى من يبادر بالجرح و الطعن في من خالف فيما يسوغ فيه الخلاف .

و من ذلك ما طلع به أحد المقيمين في هذه البلاد مؤخرًا بتسخير بريده الإلكتروني لمثل هذه الأمور و الترويج لكتابات تتهم الجميع بما لا ينجو منه أحد ، و كأنّه يقول: ( أنا الحق و الحق معي ) .

و نذكر من ابتلي بشيء من ذلك بما أخرجه الامام أحمد وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوءه قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك .. فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حالته الأولى .. فلما قام تبعه عبد الله عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، فقال: إنى لاحيت( أي خاصمت ) أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا ، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي، فعلت ؟ قال: نعم قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا ُ، غير أنه إذا تعار ، أي تنبه من نومه، وتقلب على فراشه ذكر الله حتى يقوم لصلاة الفجر ، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا ً.

فلما مضت الليالي الثلاث ، وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله: إنى لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثم ، ولكن سمعت رسول الله عليه وسلم يقول ثلاث مرار: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة . وطلعت أنت الثلاث مرار ، فأردت أن آوى إليك لآنظر ما عملك فأقتدى به ، فلم أرك تعمل كثير عمل ، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فقال الرجل: ما هو إلا ما رأيت ، قال عبد الله: لما وليت دعاني فقال: ما هو إلا مارأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه ، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي والله التي لا نطيق )) .

فاتقوا الله عباد الله في إخوانكم و كفوا عن اللمز و التشهير ببعضكم فإن الغيبة هي الحالقة تحلق الدين و العياذ بالله كما في الحديث .

ألا و صلّوا و سلّّموا على نبيكم و الأمين و على آله و صحبه أجمعين .

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

كتبه

د . أحمد عبد الكريم نجيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت