فهرس الكتاب

الصفحة 23860 من 27345

د. عبد الله حسن زروق*

مقدمة: إن الشخص العادي عادة ما يصدر حكمه على سعادة غيره بظواهر ذلك الشخص، فهو عادة يحكم على شخص بأنه سعيد إذا كان منطلق الأسارير مبتسمًا ضاحكًا ، وقد يحكم عليه مثلًا بالسعادة ، لأن له مسكانًا جميلًا أو زوجة جميلة أو سيارة فخمة، أو لأنه سافر إلى معظم البلدان، أو لأنه ترقى إلى وظيفة ذات مرتب كبير، أو حصل على درجة علمية رفيعة . أما الشخص المتعمق فيعلم أن هذه العلامات قد تكون كاذبة، وقد لا تكفي للحكم بالسعادة وقد تكون سببًا للتعاسة ، فالإنسان قد تكون له زوجة جميلة أو وظيفة عالية ولكن لا يكون سعيدًا. لأجل ذلك فهو يبحث عن أسباب أكثر ثباتًا، كطمأنينة البال ، فيشترط أن يشعر بالقناعة والرضا وسكون النفس ويقول: ينبغي أن لا ننظر في الحكم على سعادة الفرد إلى ظواهر تصرفاته وسلوكه السطحي فقط ، بل علينا أن نسبر غور ما بداخله.

كذلك نجد أن بعض علماء النفس يتعمقون في وضع المعايير التي بموجبها يمكن الحكم على الفرد بالسعادة ، ولقد أورد بعضهم علامات للسعادة سنذكر منها بعضها عند الحديث عن علاقة علم الصحة النفسية بمفهوم السعادة منها"تقبل الفرد الواقعي لحدود إمكانياته واستمتاع الفرد بعلاقاته الاجتماعية ، ونجاحه في عمله ورضاه عنه.. وإقباله على الحياة بوجه عام…"

وما يسميه البعض لحظات سعادة كقدوم مولود أو نجاح ابن أو شفاء مريض أو لحظة انتصار أو لحظة براءة أو لحظة تكريم وثناء واعتراف بفضل أو إنجاز او لحظة ابتكار واكتشاف يرى البعض الأخر أنها لحظات سرور وفرح لا ينبغي أن يوصف صاحبها بالسعادة ، لأن السعادة كما يرون أكثر ثباتًا ودوامًا وشمولًا . فما هي السعادة وما حقيقتها ؟ وهل هي الغاية القصوى للإنسان ؟ وهل هي موضوعية أم ذاتية ؟ وما هي مقوماتها ووسائلها وخصائصها ؟ وهل هي ممكنة ؟ وهل يمكن أن توجد كاملة صافية ؟ هذا الأسئلة تمثل إشكالية مفهوم السعادة .

قبل محاولة طرح هذه الإشكاليات والأسئلة نود أن نقدم لهذا البحث بالحديث عن أهمية مفهوم السعادة في مجال العلوم الاجتماعية وبإعطاء لمحة لمفهوم السعادة عند ارسطوطاليس وابن مسكويه وبنتام ومل.

أهمية الدراسة:

إن البحث في مفهوم السعادة بحث مهم ، ويحتل مكانه خاصة في علوم مختلفة كعلم الأخلاق ، وعلم النفس ، ويتصل بعلم التربية والقانون ، وبالعلوم السياسية ، وبعلم الاقتصاد وبنظرية صنع القرارات ، فهذه العلوم يبحث بعضها مباشرة في مفهوم السعادة كعلم الأخلاق وعلم النفس"خاصة علم الصحة النفسية"والبعض يبحث في مفاهيم مشابهة كمفهوم المنفعة والقيم والإشباع.

السعادة والصحة النفسية:

إن مفهوم السعادة من أهم المفاهيم التي يبحث فيها علم الصحة النفسية ،بل إن هذا العلم عادة ما يعرف على أساس أنه يهدف إلى تحقيق السعادة للإنسان ، فتعرف الصحة النفسية مثلًا بأنها تستهدف معونة كل فرد وتدريبه على العيش السعيد المنتج في بيئة اجتماعية، وكذلك تعتبر السعادة مقياسًا للصحة النفسية"الصحة النفسية للفرد تقاس بمدى قدرته على التأثير في بيئته وقدرت على التكليف مع الحياة بما يؤدي بصاحبها إلى قدر معقول من الإشباع الشخص والكفاءة والسعادة" [1] وما يذكر عن مؤشرات الصحة النفسية هو نفس ما يذكر عن مؤشرات السعادة .ومن هذه المؤشرات تقبل الفرد الواقعي لحدود امكاناته واستمتاع الفرد بعلاقاته الاجتماعية ، ونجاح الفرد في عمله ورضاه عنه.. والإقبال على الحياة بوجه عام ، وكفاءة الفرد في مواجهة احباطات الحياة اليومية .. وإشباع الفرد حاجته ودوافعه .. وإثبات اتجاهات الفرد . . والاتزان الانفعالي .. وتصدر الفرد لمسئولية أفعاله وقراراته . إن اتجاهات علم النفس المختلفة من سلوكية وتحليلية وغيرها لها آراء مختلفة عن الصحة النفسية، ومن ثم عن أسباب سعادة الإنسان ، ولا نستطيع ذكر الاتجاهات ولكن سنأخذها بعين الاعتبار عند الحديث عن مفهوم السعادة .

مفهوم السعادة والاقتصاد:

في المجال الاقتصادي يفسر الاقتصاديون عادة سلوك المستهلك عندما يريد تحديد خطته الإنفاقية بقوله: إن الإنسان يرغب في الحصول على المجموعة السلعية التي تحقق له أكبر قدر من المنفعة . ويعرفون المنفعة كما يعرفها"بنثام"بأنها هي التي تخلق الإشباع والسعادة، والإشباع عند الاقتصاديين مسألة ذاتية ليس لها معايير موضوعية وتختلف من شخص إلى آخر ؛ فقدر المنفعة الناتج من الاستهلاك سلعة معينة يختلف من شخص إلى شخص ؛ وذلك لاختلاف أذواق المستهلكين . فالاقتصادي يهتم برغبات الناس الفعلية ويفترض سيادة المستهلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت