إن الفرضية القائلة بأن معايير الإشباع ذاتية - غير مسلم بها على إطلاقها . وسيأتي الحديث عن ذاتية وموضعية معايير السعادة ، وعلى أية حال فإن البحوث الاقتصادية في اعتقادي ليست ذات قيمة كبيرة في تحديد مفهوم السعادة، بخلاف الحال بالنسبة لبحوث علم النفس والأخلاق ، بل أنها تعتمد على هذه البحوث في هذين المجالين.
مفهوم السعادة والقانون والسياسة:
لم يكن أثر"بنتثام"في مجال الاقتصاد فقط ؛ ولكن كان أثره السياسي في مجال القانون والتشريع والسياسية ؛ فقد أسس القانون والتشريع على أساس المنفعة ، وكان لأفكاره هذه أثر كبير في الفكر المعاصر . واعتبر مبدأ المنفعة العامة معيارًا لنقد القوانين وإصلاحها وإنشائها . وهذا يعني أن تبرير القوانين والتشريعات يكون بالنتائج التي تترتب على تطبيقها، فإذا كانت القوانين والتشريعات تؤدي إلى سعادة المجتمع وتخدم مصالحه فهي مقبولة ؛ وإذا لم تكن كذلك فهي مرفوضة . وقديمًا أشار ابن مسكويه إلى العلاقة بين مفهوم السعادة والسياسية بقوله"ينبغي أن نعلم أن كل إنسان معد نحو فضيلة ما ، إليها أقرب وبالوصول إليها أحرى لذلك تعتبر سعادة الواحد من الناس غير سعادة الآخر ، لأجل هذا يجب على مدبر المدن أن يسوق كل إنسان إلى سعادته التي تخصه" [2] .
مفهوم السعادة وعلم الأخلاق:
يحتل مفهوم السعادة مكانه كبيرة في علم الأخلاق المعياري"Normative Ethics"فهو أساس ما يعرف بأخلاق الفضيلة"Virtue Ethics"وقد نما هذا الاتجاه نموًا مطردًا في الآونة الاخيرة ،وكذلك يمثل مفهوم السعادة الأساس لنظرية المنفعة العامة إلا أن الفيلسوف"أسس الأخلاق على مفهوم الواجب والنية الحسنة وأسسها راولز""Rawls"على مفهوم العقد.
لمحة تاريخية:
سنتحدث في هذه اللمحة التاريخية عن مفهوم السعادة عند ارسطوطاليس وعند ابن مسكويه وفي الفكر الحديث عند"بنتام""ومل"ولكننا لا نهدف في هذه اللمحة إلى استقصاء آراء كل هؤلاء الفلاسفة ، وسنكتفي بعرض أفكارهم الأساسية.
مفهوم السعادة عند أرسطوطاليس:
تناول"أرسطوطاليس"مفهوم السعادة في كتاباته الفلسفية بالدراسة والتحليل ولقد أهتم الدارسون قديمًا وحديثًا بما كتبه أرسطوطاليس عن هذا المفهوم وشرحوه وعلقوا عليه ، ولكنهم اختلفوا في فهمهم لمفهوم السعادة عنده وأعطوه تفسيرات عدة وأقرب هذه التفاسير لمقاصده أنه: عد السعادة الغاية القصوى للإنسان ، وأنها مطلوبة لذاتها لا لشيء آخر ، وأنها تامة ومكتفية بذاتها وأنها تحوي الخير الأقصى وجديرة بالاختيار [3] .
ولكنه ليس من الواضح قوامها هل هو شيء واحد أو أشياء مختلفة ، ففي الكتاب الأول المسمى"بالأخلاق النوخوماخية"ذكر أن قوامها يعتمد على أمور كثيرة أهمها الفضائل الخلقية ، والفضائل العقلية ؛ ولكنه ذكر في الكتاب العاشر أن قوامها واحد وأنها تطابق التأمل الفلسفي وحده . [4] ويرى أرسطوطاليس أن حدوث المصائب العظيمة للشخص تسلب صفة السعادة عنه ولا تسلب المصائب الصغيرة هذه الصفة عنه . [5]
مفهوم السعادة عند ابن مسكويه:
قال ابن مسكويه إن السعادة أفضل خير وهي تمام الخيرات وغايتها ؛ ولكنها تحتاج في مرتبتها الأولى من هذا التمام إلى أشياء في البدن وخارج البدن ؛ أما إذا بلغ الإنسان المرتبة العليا من السعادة فإنه لا يحتاج معها إلى شيء أخر . [6]
واستعرض رأيين متقابلين عن السعادة: رأي نسبه إلى ارسطو ، والآخر نسبه إلى فيثاغورس وبقراط وأفلاطون ثم خلص في النهاية إلى رأي أعتمده [7] وقد ذكر ابن مسكويه في بداية حديثه ن آراء أرسطوطاليس رأيه القائل: بأن للسعادة مقومات لو اجتمعت في شخص صار السعيد الكامل ومن حصل له بعضها كان حظه من السعادة حسب ذلك ؛ وهذه المقومات هي: صحة البدن من سلامة الجوارح والحواس، واعتدال المزاج، والثروة والأعوان وان تحسن أحدوثته بين الناس وينتشر ذكره بين أهل الفضل ويكثروا الثناء عليه، وأن يكن ناجحًا محققًا أهدافه ومقاصده، وأن يكون جيد الرأي صحيح الفكر سليم الاعتقادات [8] واخبرنا ابن مسكويه أن ارسطوطاليس علل هذا الرأي بقوله"إنه يعسر على الإنسان أن يفعل الأفعال الشريفة بلا مادة مثل اتساع اليد وكثرة الأصدقاء وجودة البخت"
ثم أورد الرأي الآخر الذي نسبه إلى أفلاطون ومن وافقه والذي أجمعوا فيه على أن قوام السعادة في قوى النفس الخلقية التي هي الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة وأجمعوا على أن هذا الفضائل كافية للسعادة ، ولا يحتاج معها إلى غيرها من فضائل البدن ولا ما هو خارج البدن ولم يضره في سعادته أن يكون سقيمًا [9] ثم ذكر أن"المحققين من الفلاسفة يحقرون أمر البخت ولا يؤهلون الأشياء خارج النفس لاسم السعادة ؛ لأن السعادة شيء ثابت لا متغير ، وأنها أرفع الأمور وأشرفها ولا يجعلون لما دون العقل والفضيلة فيها نصيبًا" [10]