فهرس الكتاب

الصفحة 23862 من 27345

وذكر لأرسطوطاليس رأيا آخر قال فيه: إن السعادة في التخلق بأوصاف الله التي يحي الإنسان فيها حياة التأمل والنظر والفكر . وحاول أن يحل التعارض بين رأي ارسطوطاليس بأن ذكر أن الرأي الأول يمثل المرتبة الدنيا من السعادة والرأي الثاني المرتبة العليا.

يقول ابن مسكويه:"فالسعيد من الناس يكون في إحدى مرتبتين: إما مرتبة الأشياء الجسمانية: متعلقًا بأحوالها السفلى بها ، وهو مع ذلك يطالع الأمور الشريفة بأحثًا عنها مشتاقًا إليها متحركًا نحوها مغتبطًا بها . وإما أن يكون في مرتبة الأشياء الروحانية متعلقًا بأحوالها العليا سعيدًا بها ، وهو مع ذلك يطالع الأمور البدنية ـ معتبرًا بها ناظرًا في علامات القدرة الإلهية ودلائل الحكمة البالغة مقتديًا بها ناظمًا لها مفضيًا للخيرات عليها" [11] .

"يتعلق الإنسان في المرتبة الأولى بأحواله الجسمانية ، وهو في المرتبة الثانية يتحرر منها لما توفر له من حكمة ، فهو في المرحلة الثانية لا يفعل إلا ما أراده الله منه، ولا يختار إلا ما قربه إليه، ولا يخالفه إلى شيء من شهواته الرديئة . وهو الذي يرى جسمه وماله وجميع خيرات الدنيا التي هي من السعادات التي في بدنه والخارجة عنه كلها كلا عليه: إلا في ضرورات يحتاج إليها لبدنه الذي هو مربوط به لا يستطيع الإنحلال عنه ، إلا عند مشيئة خالقه." [12]

ثم ذكر ثلاث مراتب للسعادة هي:-

1.مرتبة يلبي فيها الإنسان رغبات البدن والحس ولكن باعتدال .

2.مرتبة لا يكثر فيها برغبات الجسد وشهوات النفس إلا بما تدعو إليه الضرورة .

3.المرتبة العليا مرتبة الفضيلة الإلهية المحضة التي لا يطلب فيها حظًا من الحظوظ الإنسانية ولا ما تدعو إليه الضرورة ، فتكون أفعال الإنسان كلها أفعالًا إلهية اوهذه الأفعال هي خير محض ، وأن يكون فعله لا يطلب به حظًا ولا مجازاة ولا عوضًا ، ويكون فعله عين غرضه ، أي: ليس يفعل ما يفعله من أجل شيء غير ذات الفعل ؛ لنفس الفضيلة ولنفس الخير لا لاجتلاب منفعة ولا لدفع مضرة ولا للتباهي وطلب الرياسة ومحبة الكرامة ؛ فهذا غرض الفلسفة ومنتهى السعادة ؛ إلا أن الإنسان لا يصل إلى هذه الحالة حتى تفني إرادته كلها التي بحسب الأمور الخارجية ؛ وتفني العوارض النفسانية ؛ وتموت الخواطر التي تكون عن العوارض ؛ ويمتلئ سعارًا إلهيًا وهمة إلهية ؛ معرفة إلهية ؛ ويوقن بالأمور الإلهية . [13]

والسعيد لا يخرجه من حد السعادة ولو ابتلى ببلايا أيوب ، ومهما ترد عليه من النكبات والنوائب وأنواع المحن والمصائب لا يلحقه ما يلحق غيره من المشقة ، فهو يقدر علي ضبط نفسه ولا تخرجه عن حد السعادة البتة . وقال ابن مسكوية: إن المراتب كثيرة بعضها فوق بعض ، وأسباب اختلاف مراتب الناس في السعادة يرجع الي اختلاف طبائعهم وعاداتهم وفهمهم وعلمهم وهمهم وجدهم وشوقهم ومعاناتهم [14] .

إن ما قاله ابن مسكويه عن حقيقة السعادة كلام عميق وجذاب ويحتاج الي وقفة تأمل ونظر . وإن حديثه عن السعادة ، على الرغم مما فيه من أفكار ثاقبة يحتوي على بعض المثالب التي سنكتشف عنها ، فنظرية ابن مسكويه في السعادة كنظرية أرسطوطاليس يمكن أن تصنف على أنها نظرية للسعادة غالبة Dominant أي نظرية تغلب جانبًا معينًا من الجوانب التي تسبب السعادة ، فهي تغلب جانب الفكر والتأمل بوصفها سببًا للحصول على السعادة ، فلكي يكون جانب الفكر والتأمل الجانب الغالب في حياة الانسان عليه ان يجاهد رغباته ودواعي نفسه حتى تموت ويتحكم في إرادته حتى تفنى بالكلية ، هذا الفناء الذي قال به ابن مسكويه شبيه بالفناء الذي عبر عنه ابن تيمية ووصفه بفناء الإرادة ومعنى فناء الإرادة ـ الذي هو فناء الأنبياء والصالحين ـ هو أن تفنى إرادة الانسان فيصير لا يحب إلا ما يحب الله ولا يريد إلا ما يريد الله ، فهو طائع الله طاعة مطلقة ، لكن هل يمكن أن تموت كل دواعي طباع الانسان البدنية وتصير حياته حياة فكر وتأمل صرفة ؟ وهل يمكن أن يصير مخلوقًا يعيش بالفكر والنظر ؟ وهل يمكن أن يفعل الانسان ـ كما ذكر ابن مسكويه لأجل الفعل ذاته لا لأجل غرض يناله من هذا الفعل ؟ لقد ذكر الغزالي أن القول بوجوب إماتة دواعي طباع الانسان البدنية بالكلية: غلط وقع لطائفة ظنوا أن المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها وهيهات .. وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية ، بل المطلوب ردها الي الاعتدال الذي هو وسط بين الافراط والتفريط ( [15] ) . وذكر أن هذه الدواعي ضرورية لحفظ النفس والنسل ، وهذا الرأي موافق للسنة النبوية ولرأي أرسطوطاليس ، وذكر الغزالي أيضًا أن من أدعى انتفاء الغرض عنده فقد ادعى الصفة الإلهية .

مفهوم السعادة في فلسفة بنتام ومل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت