فهرس الكتاب

الصفحة 16409 من 27345

خطبة للشيخ: أحمد معاذ الخطيب الحسني

رمضان المبارك: حياة بعد ضياع

لأنفاس رمضان ... عبقٌ لايُنسى.

ودروب الخير فيه ... تمتد بلا انتهاء.

في الصيام نداوة التوحيد ، ومدرسة التقوى.

وفيه الجهاد الأكبر والأصغر ... يكون.

وعندما تكاد الأمة تتشرذم أو تضيع:

يلملم رمضان شملها ... ويعيد زمرة القلب الواحد.

وفيه يكون الري ... إذا جفت الينابيع والسواقي.

وبرحمة الله تعالى ... يكون الفرح وإليها الشوق.

وإلى نفحات الهداية من المعلم الهادي صلى الله عليه وسلم ... يكون الحنين.

وتحت المآذن والقباب ... تولد الجموع من جديد.

رمضان عالَمُ إيمانٍ ... أخاذٌ آسِر .

وشمس هداية لاتغيب ... ومشكاة صدقٍ وتقوى ... ومواساة وتراحم ... ونصر وتأييد .. التقوى فيه ألوان لاتُعد..

فلنغترف منه .. فإن القلوب إلى ريه لظماء.

خطبة الجمعة:

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .. ونشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له نعبده مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله جاء بالهدى ودين الحق ليكون للعالمين نذيرا..

"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون" (المائدة ، 35) .

أما بعد .. فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة .. وإن من كلام الله تعالى قوله:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" (البقرة ، 182) .. وأيام الصيام تأتي وتذهب وكأنها حلم ..

لا نكاد نستقبلها إلا ونودعها ، وريثما نتحدث عن قدوم رمضان والسرور برمضان وفقه رمضان .. يذهب رمضان.. ولا ندري بماذا نخرج منه .. بتوبة أم غفلة.. بعودة إلى الله أم بشرود.. والله أعلم هل ندرك رمضان العام القادم .. أم لا..

ورأيت أكثر الناس وأنا منهم عفا الله عنا جميعا.. نستعد لرمضان بشراء لوازم الطعام والانتباه لنواقص المطبخ والفطنة إلى التموين والاهتمام بغذاء الأجسام.. والنفوس والقلوب والأرواح ننساها.. فما هي إلا كلمات عابرة نقتطفها من فم عالم هنا وواعظ هناك.. فتكون حصتنا من رمضان أقل القليل.. وبعدها حدث ما شئت عن خواء تظنه امتلاء وسقم تظنه عافية وغفلة تحسبها يقظة ..

وإذا كان هذا الجسم الفاني نهتم به كل ذلك الاهتمام فما بالك بروح كرمها الله مذ جعلها في أبينا آدم لما قال لملائكته:"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" (الحجر ، 29) .. وما بالك بمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله..

أخرج الترمذي وحسنه عن نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم قال:"عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا.. قلت: لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت شكرتك وحمدتك".. ماله يهرب منا الشكر والحمد في النعماء ، والتضرع والذكر في الشدة والبلواء.. ورحم الله من دعا: اللهم إني أعوذ بك من نعمة لا تقربني منك ومن فاقة لا تردني إليك.. اللهم أعوذ بك من غنى لا يقربني منك ومن فقر لا يردني إليك.. اللهم إني أعوذ بك من شبع لا يذكرني بسابغ نعمائك ومن جوع لا يخرجني من غفلتي إلى التضرع وطلب إحسانك..

أيام قلائل ورمضان يأتي.. فماذا أعددت له يا أخا الإسلام الحبيب وماذا أعددت يا أخت الإسلام الغالية.. وكيف الدخول فيه وكيف الخروج منه.. نفوسكم لا تنصحكم ، تلهيكم.. فيا ابن آدم.. اتعظ.. من صحبك يوما أو يومين فلم ير منك نفعا تركك.. ونفسك قد صاحبتها سنين طوالًا فما قادتك إلا إلى أهوائها.. فاخلع حجاب نفسك عنك.. اخلع هواك وارحل بثوب انكسارك وافتقارك إلى الله.. وتبدل بعد الغفلة الأنس بالله.. وبعد البطالة: الصلاح والتقوى.. وبعد مجالس الغفلة والتقصير والمعاصي: مجالس الإيمان .. كم يصدأ قلبك ولا ترعاه.. وإن عمرا ضيعت أوله حري بك أن يشتد حرصك على آخره.. ما بينك وبين الموت إلا أيام فاحفظ صبابة ما بقي من عمرك ، وما عمرك من أول يوم ولدت فيه بل من أول يوم عرفت الله فيه فإياك أن تموت قبل أن تعيش..

رمضان أحيا أمة الإيمان.. كثيرون منا لا يكون زادهم منه إلا كثرة المعاصي وزيادة الغفلة وتخمة البطون وكثرة اللهو واللغو والسفاسف.. أفبهذه العزيمة يستقبل رمضان؟..

رمضان طبيب القلوب والأرواح.. رمضان شفاء الأمة وبناء العقيدة .. رمضان السائق إلى الجنان مغلق أبواب النيران.. رمضان مصفد الشياطين.. رمضان الأمل في زمن اليأس المرير.. رمضان واحة الأمان في وقت القلق والاضطراب.. رمضان الطهر والاستقامة في وجه الفساد والإفساد.. رمضان العزيمة التي تجرف الخور والكسل والبلادة والقعود..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت