بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
لقد نشرت مجلة المجتمع في عددها (1220) الصادر في (25) جمادى الأولى سنة 1417هـ الموافق 8/10/1996م ، مقالًا للدكتور مأمون فندي أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج تاون في واشنطن ، تحت عنوان:"بين الهنود الحمر والفلسطينيين ـ محاولة لفهم الجذور الثقافية للتأييد الأمريكي المطلق لإسرائيل".
لقد جعل الدكتور مأمون فندي أساس محاولته هو أن أصل الشعب الأمريكي من الجماعات المسيحية التي كانت تطلق على نفسها البيوريتانز ، والتي هاجرت إلى أمريكا هاربة من"الفرعون الإنجليزي"ليواجهوا سكان البلاد الأصليين الهنود الحمر ، كما هاجرت بنو إسرائيل من مصر هاربة من فرعون مصر إلى فلسطين 0
فتصور هؤلاء البيوريتانز أنهم شعب الله المختار وأن أمريكا أرض الميعاد ، وأن الهنود الحمر يشبهون الكنعانيين الذين يحثهم الإله على إبادتهم ، وأصبحت الذاكرة التاريخية للشعب الأمريكي تجعله يرى اليهود في صورة أجداده البيوريتانز 0
إننا نختلف كل الاختلاف مع الدكتور مأمون في تحليله هذا ، فهذا التحليل أقرب ما يكون تسويغًا للجرائم المرتكبة منه إلى التحليل الواقعي ، وأقرب ما يكون إلى إهمال العوامل الرئيسة المعقدة المؤثرة في قضية فلسطين خلال الفترة الطويلة الماضية 0
وهذا التصور أو الشعور ليس هو الأساس الذي قام عليه التكوين الحضاري لأمريكا، فالتكوين الحضاري لأمريكا له أساب أعمق من ذلك سواء في الناحية النفسية والفكرية والاعتقادية والاقتصادية، وهذا التصور أخفى الدور الأوروبي والروسي 0
من حيث التسلسل الزمني ، فإن الدعم الأمريكي لدولة اليهود على أرض فلسطين جاء متأخرًا بزخمة الذي نراه اليوم ، عن زخم الدعم الفرنسي والإنجليزي والروسي الذي كان على درجات مختلفة من حيث الشدة ،حتى أخذ دعم دولة اليهود صورة دولية ممتدة . ولا عجب أن تتزعم أمريكا اليوم هذا الدعم بزخمه الأمريكي دون أن يغيب التنسيق مع سائر الأطراف ، فأمريكا اليوم تتزعم قضايا دولية متعددة ، وتفرض رأيها فرضًا على ضوء مصالحها الخاصة تحت شعارات الديمقراطية، والعلمانية ، وحقوق الإنسان المدَّعاة ، والنظام العالمي ، وقوانين هيئة الأمم المتحدة ، وغير ذلك من الشعارات . ولا نزال نذكر التصريحات المتعاقبة لوزراء الخارجية لدول أوروبية ولرجال سياستها تقول ما معناه"إن إسرائيل وجدت لتبقى"، وذلك مع نهاية الأربعينات وأوائل الخمسينات ، ومع أول قيام دولة اليهود في فلسطين بصورة عدوانية ظالمة مخالفة كل قوانين العالم ولكل دياناته 0
إن الكيان الحضاري لأمريكا قام على مظالم كثيرة وعدوان بعيد .لم يقف الظلم على محاولة إبادة شعب كامل ، الهنود الحمر ، وإنما امتد إلى سرقة المسلمين من أفريقيا رجالًا ونساءً وأطفالًا ، يقيدونهم بالسلاسل الحديدية ، مع الضرب المبرح والاحتقار الكبير يسوقونهم ليعملوا عبيدًا في مزارع السادة الأمريكان ( [1] ) 0
وامتد الظلم إلى إلقاء القنابل النووية على هيروشيما وناجازاكي في اليابان ، وامتدت المظالم في تاريخ أسود طويل لا يمكن لتمثال الحرية الحجري أن يخفيه، ولم يكن الاتحاد السوفياتي ولا دول أوروبا أقل ظلمًا وفسادًا في الأرض .
والذين هاجروا إلى أمريكا لم يحملوا تصورًا واحدًا مثل تصور البيوريتانز ، وإنما حملت الهجرة نماذج شتى من الاتجاهات ، وامتدت الهجرة لتنطلق من بلدان أخرى غير بريطانيا ، وساهم الجميع في بناء الكيان الحضاري هنالك 0
ولو استعرضنا علاقة اليهود مع النصارى منذ أن بُعِث عيسى عليه السلام ، لوجدنا أن عداء اليهود كان شديدًا ، ولوجدنا أن هذا العداء امتد مع التاريخ حتى أصبح متبادلًا لقد أعمل النصارى المذابح الوحشية في اليهود في معظم دول أوروبا ، وذلك نتيجة لخيانتهم المستمرة وتآمرهم ضد البلد الذي يعيشون فيه ، خيانة تنبع من حقد متوارث عميق ولا يكشف لك هذا الحقد المتبادل الذي أخذ يتحول إلى حذر مثل خطاب رئيس الولايات المتحدة بنجامين فرانكلين عند وضع الدستور سنة 1789م حيث جاء فيه:"هنالك خطر عظيم يتهدد الولايات المتحدة الأمريكية ، وذلك الخطر العظيم هو خطر اليهود ، ففي كل أرض حل بها اليهود أطاحوا بالمستوى الخلقي فيها وأفسدوا الذمة التجارية ونشروا الفتن فمنذ أكثر من 1700 سنة وهم يتباكون على حظهم الأسيف (ليستدروا عطف الشعوب ويخفوا هول خياناتهم وجرائمهم) ."
"إنهم طفيليات لا يعيش بعضهم على بعض …… وإذا لم يبعد هؤلاء عن الولايات المتحدة الأمريكية بنص دستورها ، فسيتدفقون إلى أن يحكموا شعبنا ويدمروه ….. حتى يظل اليهود في البيوتات المالية يفركون أيديهم مغتبطين….. وإني أحذركم أيها السادة إن لم تبعدوا اليهودنهائيًا فلسوف يلعنكم أبناؤكم وأحفادكم في قبورهم ……. ولا أشك اليوم أن الأبناء والأحفاد في قبورهم يلعنون ويلعنون !"0