فهرس الكتاب

الصفحة 2702 من 27345

د.هيثم مناع *

في السابع من أيار (مايو) 1948 وجه شارل مالك، مندوب لبنان في الأمم المتحدة، برقية إلى الحكومة اللبنانية يقول فيها:"لقد أتم اليهود استعدادهم لإقامة دولتهم بالقوة، وسيباشرون العمليات العسكرية خلال هذا الشهر، فإن لم يقض العرب على هذه الدولة في غضون سبعة أيام، ستدوم سبعة أشهر، فإن لم يقضوا عليها خلال سبعة أشهر ستدوم سبعة أعوام، فإن عجزوا عن إزالتها في سبعة أعوام فقد تدوم سبعين عاما وربما أكثر".

وقف العالم الغربي بمعسكريه مع قيام دولة إسرائيل ورفض العرب والمسلمون هذه الدولة. كانت هزيمة حرب 1948 نكبة هزت أركان الدول العربية بعد الكولونيالية الناشئة. ومن المنافي ولدت هوية فلسطينية مشتركة لكل الفلسطينيين في الوعي الجماعي كمشروع سياسي وثقافي وحضاري لاستعادة الذات التي استلبتها دولة الاستيطان اليهودي في فلسطين.

رغم النكبة ونكسات الجانب العربي السياسية والعسكرية، لم تتعرض الهوية الفلسطينية لأزمة تعادل بعمقها تلك الناجمة عن اتفاقية أوسلو في 13 سبتمبر 1993. حيث دفعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ثمن عودتها إلى فلسطين المحتلة، تفكيك الفكرة الأساسية في تكوّن الشخصية الوطنية الفلسطينية. الفكرة التي نشأت في المخيم، باعتباره الحيز الذي طوّر الفلسطينيون في تخومه، كما ينوه محمد حافظ يعقوب، إستراتيجية هويتهم في البقاء. فكرة قائمة ليس فقط على وحدة المشروع ووحدة المصير، بل أيضا وقبل كل شيء وحدة الأرض الفلسطينية الجامعة لمن عليها على اختلاف دينه ومذهبه في دولة حديثة ديمقراطية مدنية. أزمة الهوية هذه لم تحدث يومها في الجانب الإسرائيلي بنفس العمق. فالحكومات الإسرائيلية المتتابعة لم تتعامل يوما مع فكرة السلام باعتبارها مسار متبادل أساسه قبول الآخر بوصفه مشروعا سياسيا لدولة قابلة للعيش. وهنا نعود لجذور أسطورة التأسيس لدولة إسرائيل القائمة على رفض الآخر الفلسطيني ككيان سياسي. لم يكن الآباء المؤسسون يوما يهذبون الكلمات والعبارات في كل ما يتعلق بالترحيل والنفي القسري كوسائل"مشروعة"لبناء وطن قومي نقي. الدفاع العدواني aggressive defense، الذي جعل منه دافيد بن غوريون إنجيله العسكري، يربط باستمرار بين تحطيم الهدف العسكري وطرد السكان. الحكومة الإسرائيلية التي وقعت أوسلو، لم تكن بعيدة عن هذا النهج حين ربطت بشكل عضوي بين بناء المستوطنات والعملية السياسية.

لم تكن السلطة الفلسطينية مطلع هذا العام بقادرة على دفع ثمن صناديق اقتراع وتغطية تكاليف العملية الانتخابية عندما صوتت"الأغلبية الفلسطينية تحت الاحتلال"لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي لا تعترف بدولة إسرائيل. جاء هذا في ظروف يمكن القول بأنها الأسوأ في العالم العربي منذ رسالة شارل مالك المنوه إليها أعلاه. ورغم ذلك، هذا الرأي يتقاسمه مجموعة اتجاهات فكرية تتزايد يوما بعد يوم. إنها تتوزع على أكثر من مصدر نظري وعقائدي ولأسباب ليست بالضرورة واحدة. هي تتحدث عن تفسخ بنيوي في الكيان الإسرائيلي وحالة ضياع سياسية، لا يغطيها الخطاب الأمني والمزايدات السياسية ولا يرحمها الوهن الرسمي العربي. فالمواجهة الإسرائيلية البربرية للانتفاضة الثانية والخيارات السياسية الأحادية الجانب رفعت الغطاء الاعتباري عن المشروع الصهيوني في أوربة. كما ولم تعد"الحرب على الإرهاب"مادة ممكنة للتسويق لبيع الناتج الإعلامي الإسرائيلي منذ مجازر العدوان الإسرائيلي الجديد على لبنان. لقد أفلتت الدولة من عقالها وأصبحت تتلبس تعريف L'Etat Voyou (الدولة الداعرة) بكل صفاته. تعبير"العصابة"الذي استعمله بولتون، مندوب الإدارة الأمريكية في الأمم المتحدة، ينطبق على أصدقائه الإسرائيليين أكثر مما يمكن استعماله بحق المقاومة المشروعة للعدوان.

ففي الوقت الذي يتم فيه توظيف المأساة اليهودية في ظل النازية- في صناعة متكاملة تبدأ بتعزيز عقدة الذنب وتنتهي بالحصول المجاني على أسلحة الدمار الممنوعة- تعيد الدولة، التي قدمت نفسها للعالم باعتبارها النقيض المعنوي لمأساة اليهود في ألمانيا، إنتاج السيناريو بصيغة تناسب الزمان والمكان. في لحظة"اكتمال"التفوق العسكري الإسرائيلي التقني بكل المعاني، ونجاح اللوبي الموالي لإسرائيل على الصعيد العالمي في إقامة تواصل قانوني وسياسي بين المقاومة والإرهاب، على الأقل في عرين حلف شمال الأطلسي، تنال الحكومة الإسرائيلية تفويضا مفتوحا بالقتل والهدم من المحافظين الجدد. كما وتستغل فرصة التواطؤ الغربي الرسمي والتعفن العربي الرسمي لتخرج كمون أحقادها على لبنان. لبنان التعددية الدينية والطائفية. لبنان القدرة على التعايش. ولبنان المقاومة. لكن لهيب الحقد نفسه هو الذي يضع المجتمع الإسرائيلي ويضعنا أمام أسئلة مركزية تعيدنا إلى المساءلة الأولى حول شرعنة الكيان الصهيوني:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت