وكان على بن أبي طالب ، وعبدالرحمن بن عوف ، والزبير وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال 0
ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن أو غيره: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك 0
جاء رجل إلى الحسن فقال: إن لي جارًا لا يأكل الفالوذج ، فقال الحسن: ولم ؟ قال: يقول: لا أؤدي شكره ، فقال الحسن: إن جارك جاهل ، وهل يؤدي شكر الماء البارد ؟0
أهمية الزهد:
إن الزهد في الدنيا ليس من نافلة القول ، بل هو أمر لازم لكل من أراد رضوان الله تعالى والفوز بجنته ، ويكفي في فضيلته أنه اختيار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قال ابن القيم رحمه الله:( لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا ، فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الإيمان ، وإما من فساد في العقل ، أو منهما معًا0
ولذا نبذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهره هو وأصحابه ، وصرفوا عنها قلوبهم ، وهجروها ولم يميلوا إليها ، عدوها سجنًا لا جنة ، فزهدوا فيها حقيقة الزهد ، ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب ، ولوصلوا منها إلى كل مرغوب ، ولكنهم علموا أنها دار عبور لا دار سرور ، وأنها سحابة صيف ينقشع عن قليل ، وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى أذن بالرحيل )0
أقسام الزهد
قال ابن القيم رحمه الله الزهد أقسام:
1ـ زهد في الحرام وهو فرض عين 0
2ـ وزهد في الشبهات ، وهو بحسب مراتب الشبهة ، فإن قويت التحق بالواجب ، وإن ضعفت كان مستحبًا 0
3ـ وزهد في الفضول ، وهو زهد فيما لا يعني من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره0
4ـ وزهد في الناس 0
5ـ وزهد في النفس ، بحيث تهون عليه نفسه في الله 0
6ـ وزهد جامع لذلك كله ، وهو الزهد فيما سوى الله وفي كل ما يشغلك عنه 0
وأفضل الزهد إخفاء الزهد .. والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع 0
أقوال السلف في الزهد:
قال على بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة ، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ، ولكل منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل 0 (( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) ) [ البقرة: 197] 0
وقال وريعن عيسى بن مريم عليه السلام: اعبروها و لا تعمروها 0
وقال: من ذا الذي يبني على موج البحر داراَ؟! تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا0
وقال عبدالله بن عون: إن من كان قبلنا كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم 0
قلت: هذا كان في زمان عبدالله بن عون ، أما اليوم فإن أكثر الناس قد زهدوا في الآخرة حتى بالفضلة !! 0
الأسباب المعينة على الزهد في الدنيا
1ـ النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها ونقصها وخستها ومافي المزاحمة عليها من الغصص والنغص والأنكاد 0
2ـ النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات 0
3ـ الإكثار من ذكر الموت والدار الآخرة 0
4ـ تشييع الجنائز والتفكر في مصارع الآباء والإخوان وأنهم لم يأخذوا في قبورهم شيئًا من الدنيا ولم يستفيدوا غير العمل الصالح 0
5ـ التفرغ للآخرة والإقبال على طاعة الله وإعمار الأوقات بالذكر وتلاوة القرآن 0
6ـ إيثار المصالح الدينية على المصالح الدنيوية 0
7ـ البذل والإنفاق وكثرة الصدقات 0
8ـ ترك مجالس أهل الدنيا والاشتغال بمجالس الآخرة 0
9ـ الإقلال من العام والشراب والنوم والضحك والمزاح 0
10ـ مطالعة أخبار الزاهدين وبخاصة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه 0
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسل