فهرس الكتاب

الصفحة 14693 من 27345

د. صالح بن عبدالله الشثري* 20/6/1423

تعد قضية حقوق الإنسان من أهم القضايا المعاصرة التي تشغل أذهان المفكرين وفلاسفة الأخلاق منذ قرون، لأنها من أهم المهمات وأوجب الواجبات التي تتطلع إليها البشرية، فهي السند الذي يساهم في تدعيم الحقوق الإنسانية للأفراد والمجتمعات، وفي شتى مجالات الحياة سواء الاقتصادية أو السياسية، أو في ظروف الحروب والصراعات.

وفي هذا العصر -عصر المدنية، عصر الحضارة؟ا- أصبحت هذه القضية هي أم القضايا، فما وقع في (هورشيما ونجزاكي) اليابانية، و (صبرا وشاتيلا) اللبنانية، و (حلبجة) العراقية، وفي البوسنة والهرسك، وفي كوسوفا، وكشمير والشيشان، وآخرها (جنين) الفلسطينية، وغيرها كثير...يجعل الإنسان يقف حيرانًا، ويتساءل أين حقوق الإنسان؟، والجواب في الحقيقة واضح كالشمس، إنها الحرب التي تجعل الإنسان ينسى إنسانيته ومبادئه وأخلاقه، إنه الطرف الأقوى الذي ينسى ضميره، إنها النفس الشريرة التي تبحث عن الدماء والأشلاء من دون تمييز.

وفي ظل التخبط الأعمى للسياسة الدولية أصبح الإسلام في هذا الزمن متهمًا بعدم العناية بحقوق الإنسان، وتأصيل تلك الحقوق ، وهذا يتطلب بيان تلك الحقوق، وإيضاح موقف الإسلام منها، وبيان سماحته وعدله ورحمته بالبشر، الذي قرر منذ أربعة عشر قرنًا أن للإنسان حقوقًا ينبغي أن تراعى، كما أن عليه واجبات ينبغي أن تؤدى، وهي في الحقيقة لا يغفلها ولا يتجاهلها كل منصف، وكل باحث عن الحقيقة.

وقبل الخوض في تفاصيل حقوق الأسرى في الإسلام أود أن أشير إلى أن القرآن الكريم حوى الأفكار الأساسية المهمة، وترك تفاصيلها وممارستها وتطبيقاتها للأمة وفق ضوابط الشريعة الإسلامية، فاهتم بالكليات وفتح المجال لعقول علماء الإسلام، وهو بذلك قد حاز قصب السبق على غيره من الأديان الأخرى، وحتى القوانين الوضعية. كما أن حقوق الإنسان في الإسلام تقوم على أساس متين من الحرية والعدالة ، ولأجل ذلك حرم الله الظلم والاعتداء وشنّع على أهله وتوعدهم بالعذاب الأليم، كما أن العقل والواقع يشهد بأنه لا توجد دولة أو تشريع يعطي حرية مطلقة بحيث يتصرف الإنسان من تلقاء نفسه بلا قيود أو ضوابط، هذا لا يوجد على ظهر الأرض، ولا يقول به أحد من البشر، ولأجل ذلك تضع كل دولة أو أمة قيودًا وضوابط لهذه الحرية حسب قانونها الذي تحكم به، أما أمة الإسلام فمصدر حريتهم نابع من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولأجل ذلك أعطى الإسلام الناس حريتهم في حدود في القول والفعل، وحرم عليهم الغيبة والنميمة، والبهتان وقول الزور والقذف والاستهزاء.

إن الحروب تعد أكثر الظواهر البشرية تأثيرًا على القيم الإنسانية، لأنها سبب في إهدار حياة الأفراد والمجتمعات، فيصبح الإنسان لا قيمة له، وهو ما يتطلب حاجة البشر للتغلب على هذه الظاهرة وضبط أحكامها بصورة تراعي القيم الإنسانية الخالدة. والحق أن ظاهرة الأسرى تعد من أهم الظواهر الناتجة عن الحروب في قسوتها ومجافاتها للقيم الأخلاقية.

لقد وضع الإسلام للحروب نظامًا متميزًا، وتفصيلًا دقيقًا لأسبابها، ووسائلها وغاياتها، ومن ينظر لأحكام الحرب في التشريع الإسلامي يرى أن الإسلام كان له قدم السبق في تنظيم هذه الظاهرة، فلا عجب ولا غرابة من دين اتسم بالرحمة والإنسانية أن يفرض الرحمة والإنسانية في معاملة أسرى الحرب، في وقت كانت فيه جميع الأمم الأخرى تقتل الأسرى أو تستعبدهم.

وإن من يتأمل تراث الإسلام في مسألة الأسرى، ويطلع على ما دونه علماء الإسلام عن الأسرى وحقوقهم في الإسلام يلحظ بجلاء أن الإسلام يجنح باستمرار إلى تغليب الجانب الإنساني في معاملة الأسرى، والأهم من ذلك أن الإسلام أخضع معاملة الأسرى لنظام محكم وتشريع مدون، لا يجوز بأي حال من الأحوال تجاوزه أو التعدي عليه لا سيما تحت ضغط الحالات النفسية المتوترة التي تولدها الحروب والانتصارات.

ولنا أن نسأل عن تعريف الأسير؟ فنقول: إن الأسير هو الحربي الذي أسر في حال الحروب مع المسلمين، وبعبارة أخرى: الأسرى هم الرجال الذين يقعون في قبضة عدوهم أحياء في حال الحرب، وفي الفقه يطلق أسرى الحرب على الأعداء المحاربين الذين أظهروا العداوة للإسلام وصمموا على محاربته بالعمل، فسقطوا في أيدي المسلمين المجاهدين الذين أرادوا إعلاء كلمة الله تعالى.

وبهذا يدخل كل من يحمل السلاح ضد الإسلام، وهو قادر على الحرب، سواء أكان جنديًا أصليًا، أو متطوعًا، أو مرتزقًا، أو جاسوسًا، فيخرج الأطفال والشيخ والنساء، والرهبان والفلاحين ومطلق العجزة، فلهم معاملة خاصة.

وسأجمل الحديث عن هذا الموضوع المتشعب في أمور أرى أنها الأولى بالبيان والتوضيح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت