الأمر الأول: أن الأسرى يقعون في أيدي أعدائهم كما تقع الغنائم في أيدي المحاربين، ولكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب أن الأصل في الإنسان الحرية، ولأجل ذلك قرر الإسلام بسماحته وعدله أنه لا يجوز أسر كل من تقع عليه أيدي المسلمين من الكافرين، وإنما يكون ذلك فقط حيث تكون الحرب وحيث يكون المحاربون.
وقد وضع فقهاء الإسلام أوصافًا لمن يجوز أسره، وشروطًا لوقوع الأسر حتى أصبح له نظام وحدود معروفة ومدونة في الشريعة الإسلامية قبل أن يعرفها فقه القانون الدولي الحديث بقرون، بل لما ظهرت تشريعات الأسرى في القانون الدولي كان للفقه الإسلامي نظرياته الخاصة به، والتي تلتقي بالفقه الدولي أحيانًا وتختلف عنه أحيانًا أخرى.
لقد وردت نصوص كثيرة في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة تحث على معاملة الأسرى معاملة حسنة تليق به كإنسان، يقول الله تعالى في سورة الأنفال: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) 70، فإذا كان المولى سبحانه يعد الأسرى الذين في قلوبهم خير بالعفو والمغفرة، فإن المسلمين لا يملكون بعد هذا إلا معاملتهم بأقصى درجة ممكنة من الرحمة والإنسانية.
لقد قرر الإسلام بسماحته أنه يجب على المسلمين إطعام الأسير وعدم تجويعه، وأن يكون الطعام مماثلًا في الجودة والكمية لطعام المسلمين، أو أفضل منه إذا كان ذلك ممكنًا، استجابة لأمر الله تعالى في قوله في سورة الإنسان: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا) :8، ويروى أنه صلى اله عليه وسلم أطعم بعض الأسرى ورواهم بيده الكريمة، ويقول أبو عزيز بن عمير، وكان أحد أسرى بدر حول معاملته:"كنت في رهط الأنصار حين أقبلوا من بدر، فكانوا قدّموا غذاءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، فما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها فأستحي فأردها على أحدهم فيردها عليّ وما يمسكها".
كما قرر الإسلام بسماحته وعدله ورحمته أنه يجب معاملة الأسير بالحسنى وعدم إهانته أو إذلاله، روى الطبراني عن أبي عزيز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"استوصوا بالأسارى خيرًا"، ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرى يهود بني قريضة موقوفين في العراء في ظهيرة يوم قائظ، قال مخاطبًا المسلمين المكلفين بحراستهم:"لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم وحرّ السلاح، قَيّلوهم حتى يبردوا"ومن هذا المنطلق لا يجوز تعذيب الأسير لأجل الحصول على معلومات عسكرية عن جيش العدو، فقد سئل مالك رحمه الله:"أيُعذّب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو؟ فقال: ما سمعت بذلك". إنها سماحة الإسلام ورحمته التي لم يبلغها القانون الدولي الإنساني المعاصر، وأخص بذلك معاهدات جنيف 1929م، 1949م ولاهاي لحقوق الإنسان، وحقوق أسرى الحروب.
ومن الواجبات التي قررها الإسلام كسوة الأسير كسوة لائقة به تقيه حر الصيف وبرد الشتاء، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه أنه لما كان يوم بدر أتي بالأسارى، وأتي بالعباس ولم يكن عيه ثوب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد قميص عبد الله بن أبي بن الحارث يقدر عليه فكساه إياه، كما ورد انه عليه السلام كسا بعض الأسارى من ملابسه.
ومن الحقوق التي قررها الإسلام للأسير حقه في ممارسة شعائر دينه خلال فترة أسره (الهندي: 205) .
الأمر الثاني: عند استقراء أحكام الأسرى التي وقعت في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، والسرايا التي قام بها أصحابه نجد أن مصير الأسرى حدد في أمرين، أحدهما العفو والمن، والآخر الفداء، وقد أكد عليهما العلماء، كما ورد في الآية الكريمة التي تحكم الوضع الشرعي للأسرى غير المسلمين في دولة الإسلام في سورة محمد: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فإما منًّا بعد وإمّا فداء حتى تضع الحرب أوزارها) :4، ومعنى الآية أن على المجاهدين المسلمين عند لقائهم بالكفار في ساحة الوغى أن يعملوا السيف في رقابهم، وبعد إثخانهم بالجراح وإنهاكهم إلى درجة الوهن، عليهم القبض عليهم وتقييدهم والتحفظ عليهم حتى تضع الحرب أوزارها، وعند ذلك يحق للمسلمين المن عليهم بإطلاق سراحهم بدون أي مقابل أو مفاداتهم بمال.