فهرس الكتاب

الصفحة 1166 من 27345

أسس التغيير والإصلاح ...

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، وبعد:

إن العمل لتغيير واقع الأمة واجب على كل مسلم، ولكن التغيير لا يصار إليه إلا بعاملين اثنين، العلم والقوة، قال تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(247 ) ) . البقرة

فحين استجاب الله سبحانه لبني إسرائيل، ملك عليهم طالوت، فما كان منهم إلا أن يعترضوا على ما اختاره الله سبحانه لهم متعلقين بحجة واهية لا تسمن ولا تغني من جوع، وما تعلق به بنو إسرائيل ذاك الزمان ، هو مقياس لما يتعلق به المسلمون اليوم، فمقاييس بني إسرائيل متجهة نحو الحظوظ الدنيوية، فعليها يبنون شؤون حياتهم،بعيدًا عن المقاييس الحقيقية التي تعرب عن معادن الرجال، لا عن ظواهرهم ، فإن اعتراض بني إسرائيل على ذلك القائد كان بسبب أمرين وهما:

1: أنهم أحق بالملك منه، ذلك لكونه ليس من أشرف أسباطهم.2: أنه لم يؤت سعة من المال، فهو لذلك ليس من أغنيائهم. فالملك بمنظور بني إسرائيل له عاملان، المكانة الاجتماعية ، والغنى ،فمن تحقق فيه هذان الوصفان فهو أهل للملك، ومن فقدهما فلا يستحق الملك،لذا نجد نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، ينصب موازين الحكم على الناس من خلال ميزان العدل ، إذ يضع كل واحد في منزلته بناء على مقاييس ربانية حكيمة، بعيدًا عن التعصب والهوى، فقد جاء في سنته العطرة ما رواه أبو العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس: (ما رأيك في هذا؟) فقال رجل من أشراف الناس ، هذا والله حري إن خطب أن ينكح و إن شفع أن يُشفع. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما رأيك في هذا؟) فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين حري إن خطب أن لا يُنكح و إن شفع أن لا يُشفع و إن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) متفق عليه . فلا يكون الحكم على عباد الله سبحانه من خلال الموازين الدنيوية ،بل من خلال موازين العدل والعلم ، فيجب على الناس أن ينظروا إلى الأمور بمنظار الشرع، فما حسنته النصوص فهو الحسن، وما قبحته النصوص فهو القبيح، والموازين الشرعية تقدم أهل التقوى عن غيرهم، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13) ) الحجرات وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم) . رواه مسلم وما ذهب إليه بنو إسرائيل من حجج واهية لم يلتفت إليها الله سبحانه، فحين اختار طالوت عليهم كان يعلم بحقيقته، ويعلم أيضًا مراد بني إسرائيل، ومع ذلك غاير مراد بني إسرائيل وجعل الأمر على خلاف ما يهوون ، مبينًا لمن تكون أهلية الملك، لأهل القوة والعلم ، فأهل القوة والعلم، هم أصحاب الشأن، وهم المؤهلون لقيادة الناس، والأخذ بهم إلى طريق الحق والتغيير والحكم والثبات، وهما أي القوة والعلم، كجناحي الطائر لا يستغني عن أيهما، ولا يستقر محلقًا إلا بهما، فالعلم من غير قوة لا يؤثر بالواقع، ولا يحقق التغيير قال سبحانه على لسان بعض أنبيائه: (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ(80 ) ) . هود ،فهذا النبي صلى الله عليه وسلم وهو لوط، رزقه الله العلم والحكمة، ولكنه كان يفتقد إلى عامل القوة، فعجز عن صد قومه والحيلولة دون ما يشتهون، فالقوة تمكن للتغيير والتأثير ما لا يمكنه العلم ، فقوله تعالى: (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ(91) ) . هود ، وهذه آية في السورة نفسها، فالله سبحانه بين أن عبده شعيبًا عليه السلام كان يدعو قومه إلى ما لا يهوون، بيد أنهم لم يتعرضوا له بأذى بسبب رهطه أي القوم حوله مما يتمتعون به من قوة، وهذا ما حمل النبي صلى الله عليه وسلم على عرض نفسه على القبائل متوجه إلى أصحاب القوة والمنعة لتتم له الدعوة إلى الله سبحانه دون معوقات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت