أ.د.ناصر بن سليمان العمر-المشرف العام على موقع المسلم
* جاء في صحيح مسلم عن صهيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( كان مَلِكٌ فيمَنْ كان قبلكم، وكان له ساحرٌ، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرتُ فابعث إليّ غلامًا أعلمه السحر، فبعث إليه غلامًا يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحرَ مرّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحرَ ضربه فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيتَ الساحرَ فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناسَ، فقال: اليوم أعلم الساحرُ أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا فقال: اللهمّ إن كان أمر الراهبُ أحبَّ إليك من أمر الساحر فأقتل هذه الدابة حتى يمضي الناسُ، فرماها فقتلها، ومضى الناسُ، فأتى الراهبَ فأخبره، فقال له الراهب: أيْ بُنيَّ، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستُبتلى، فإن ابتُليتَ فلا تدلّ عليّ، وكان الغلامُ يُبْرئ الأكْمهَ والأبرص ويداوي الناسَ من سائر الأدواء، فسمع جليسٌ للملك كان قد عميَ، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي اللهُ فإن أنت آمنت بالله دعوتُ اللهَ فشفاك فآمن بالله فشفاه اللهُ، فأتى الملكَ فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: مَنْ ردَّ عليك بصرَكَ؟ قال: ربّي، قال: أوَ لكَربٌّ غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذّبه حتى دلَّ على الغلام؛ فجيء بالغلام، فقال له الملكُ: أي بني قد بلغ من سحرك ما تُبْرئُ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي اللهُ، فأخذه فلم يزلْ يعذبه حتى دلّ على الراهب فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمئشار فوضع المئشارَ في مفرق رأسه فشقّه به حتى وقع شقّاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبلَ، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئتَ، فرجف بهم الجبلُ فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم اللهُ، فدفعهم إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحرَ، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به، فقال: اللهمّ اكفنيهم بما شئتَ، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم اللهُ، فقال للملك: إنك لستَ بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناسَ في صعيد واحد، وتصلبني على جذع ثم خذ سهمًا من كنانتي،،،
ثم ضع ِالسهْمَ في كبد القوسِ ثم قل: باسم الله ربّ الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلتَ ذلك قتلتني، فجمع الناسَ في صعيد واحد، وصلبه على جذع ٍ، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهمَ في كبد القوس، ثم قال: باسم الله ربّ الغلام، ثم رماه فوضع السهمَ في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناسُ: آمنا برب الغلام ،،،آمنا برب الغلام،،، آمنا برب الغلام، فأُتيَ الملكُ فقيل له: أرأيتَ ما كنتَ تحذرُ؟ قد والله نزل بك حذرُك، قد آمن الناسُ فأمر بالأخدود بأفواه السكك وأضرم النيران، وقال: مَنْ لم يرجع عن دينه فأحموه فيها، أو قيل له: اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبيٌّ لها، فتقاعستْ أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمّة اصبري فإنك ِ على الحقّ )) .
كلما بعد الناس عن عهد النبوة، ازدادت حاجتهم إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، يتفيئون في ظلالهما، ويشربون من معينهما، ويهتدون بهديهما؛ التزامًا بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي) ففيهما الشفاء والغناء والهدى.
وفي هذه الظروف الحرجة التي تمر بها الأمة؛ من تكالب أعدائها عليها ورميهم إياها عن قوس واحدة، وحيث دبّ الوهنُ واليأس في قلوب بعض المسلمين، وآخرون حادوا عن الحكمة، وضلوا عن سواء السبيل، فقد قمتُ بدراسة حديث الغلام وأصحاب الأخدود، ووجدت فيه من الوقفات والدروس والعبر ما أراه علاجًا ناجعًًاًًً لكثير من مشكلات الأمة، ومن هنا رأيت أن أضع هذه الدراسة أمام أحبتي؛ لتكون لهم زادًا في الطريق، وعونًا على تخطي العقبات والصعاب، وتجاوز بنيات الطريق، وسلوكًا لنهج الحكمة (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (البقرة:269) فأقول مستعينًا بالله ومتوكّلًا عليه؛ سائلًا إياه التوفيقَ والسداد: