فهرس الكتاب

الصفحة 18350 من 27345

أ.د. أحمد الخراط

علم البلاغة غصن باسق من دوحة علوم العربية، وقد لقي هذا العلم من عناية السلف وجهودهم ما جعله عِلْمًا قائمًا برأسه؛ ليخدم بيان الوحي المعجز، وتفوُّقه على الأساليب البيانية الأخرى.

ويشير واقع العرب في أوائل عصر نزول القرآن الكريم إلى أن السليقة التي نشؤوا عليها في التذوق الفطري الأصيل وَفَّرَتْ عليهم تحليل مقومات روعة الكتاب العزيز، ثم إنهم لم تكن لديهم الوسائل التي تكفي بلوغ هذا التحليل، على نحو ما تيسَّر للأجيال التالية [1] .

ومع مرور الأيام برزت عوامل جديدة أدَّت إلى إضعاف أثر السليقة في التعامل مع النصوص الأدبية؛ فقد اختلط العرب الفصحاء بغيرهم، ووصلَتْ دعوة الإسلام إلى أقوام مختلفين، كما أثيرت شكوك ومطاعن في بلاغة القرآن وإعجازه، ممَّا جعل الكثيرين لا يكتفون بهذا التفوُّق الذي تُحِسُّه نفوسهم إزاء البيان القرآني، فمضَوا يحاولون استنباط ما يستطيعون استنباطه من وجوه البلاغة فيه، وأصبحت دراستُهم تقوم على الدليل العقلي والحجة وتسويغ مواطن الجمال التعبيري [2] .

ويُعَدُّ القرآن الكريم هو العامل الرئيس الذي ساعد على الشروع في الدراسات البلاغية بمختلف اتجاهاتها، وكان هذا العامل أهمَّ البواعث في إثارة الهمم للبحث الجادِّ عن ترتيب وجوه الكلام، والتمييز بين الأساليب ومعرفة الجوانب الجمالية في نسيج تركيب الجملة العربية [3] .

ويُجْمع العلماء على أنه بفضل الكتاب العزيز نشأت علوم البلاغة التي أمدَّها النص القرآني بفيض من الأمثلة البديعة في محاسن الكلام وبديع النظم [4] .

والواقع أن القرآن الكريم أثار منذ اللحظات الأولى لنزوله حركة فكرية عند مُتَلَقِّيه، ممَّا جعلهم يلتفتون إلى ما جاء به في أساليب التعبير والبيان، ويُنَقِّبون عن كنوزها، ويوازنون بين صنوف الكلام المختلفة [5] . يقول الدكتور حمادي صمود [6] : «غدا القرآن القطبَ الذي تدور حوله مختلف المجهودات الفكرية والعقائدية للمسلمين» .

ولو تساءلنا عن أسباب نشأة علوم البلاغة التي هي المعاني والبيان والبديع، لَتَبَيَّن لنا أنها نشأت للدفاع عن القرآن، والردِّ على الذين أنكروا إعجازه.

وقد عُرِفَ العرب بسليقتهم اللغوية أن عجزهم عن الإتيان بمثل القرآن نابع منه؛ بما يتميَّز به من خصائص أسلوبية وبيانية، ولكن مع التأثُّر الجارف بالفلسفات الوافدة ذهب بعض المسلمين إلى ما عُرِفَ بنظرية الصِّرْفة [7] التي تأثرت بما يقوله الهنود عن كتابهم المقدس"الفيدا"، إذ اعتقد البراهمة أنهم يعجزون عن الإتيان بمثله؛ لأن براهما صرفهم عن ذلك، وفي مقدور الخاصة محاكاته، ولكنهم ممنوعون احترامًا.

وذهب إبراهيم النظَّام المعتزلي هذا المذهب، فكان يعتقد أن القرآن ليس في درجة من البلاغة والفصاحة تمنع من الإتيان بمثله، فبلاغته لاتزيد على بلاغة سائر الناس، وهو من جنس كلام البشر. ومثل هذا الرأي دفع علماء المسلمين إلى الخوض في مسائل البلاغة التي تدرس خصائص النص القرآني، ممَّا سيكون له أثر كبير في إغناء المباحث البلاغية، فقد أثمرت أهمَّ نظرية في تراثنا البلاغي وهي نظرية النظم [8] ، ومن هنا كان الردُّ على النظَّام ونظريته في الصِّرْفة باعثًا مهمًا ومنطلقًا لعلماء البلاغة أن يُثْبِتوا تَفَوُّق الأسلوب القرآني على الأساليب البشرية وتميُّزه بصنوف البيان البديع، وهذا الدافع جعلهم يَبُثُّون بذور علم البلاغة وفروعها المختلفة، مما كان أساسًا لاكتمال صورتها في مصنفات القرون التالية.

وإذا كان الدافع للاهتمام ببيان القرآن في أول الأمر هو الدفاع عن الكتاب العزيز أمام نزعات الشك وردِّ المطاعن، فإنَّ دراسات جادَّة شرعت في بناء منظومة واسعة، غرضها شرح أوجه إعجاز القرآن ودراسة أسلوبه.

وهذه الدراسات زَوَّدت مسيرة علم البلاغة بفيض من الأصول والأمثلة التي اعتمدَتْها مصنفات علوم البلاغة فيما بعد القرون الأولى [9] ، وكان اختلاف وجهات النظر في مواطن إعجازه مادةً ثرَّة، رفدت هذه العلوم بروافد تأصيلية في البحث البلاغي والنقد الأدبي [10] ، وبذلك يتبيَّن لنا أن أهمَّ جانب ساعد على ظهور التفكير البلاغي هو الجانب المتصل بإعجاز القرآن، كما يتبيَّن لنا أن اتساع الدراسات البلاغية وازدهارها إنما كان لخدمة القرآن الكريم.

وتفرع على النظر في أسلوب القرآن واتخاذه المقياسَ البلاغي الأمثل النظرُ في الأساليب الأدبية نثرها وشعرها، والموازنة فيما بينه [11] . وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى مِن أوائل مَنْ أَلَّفَ فيها، وكان غرضه توضيح الأساليب القرآنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت