فهرس الكتاب

الصفحة 18351 من 27345

ويذكر ياقوت في"معجم الأدباء" [12] رواية عنه يقول فيها: «قال أبو عبيدة: أرسل إليَّ الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومئة، فقدمتُ إلى بغداد، واستأذنْتُ عليه، فأَذِن لي فدخلتُ عليه... ثم دخل رجلٌ له هيئة، فأجلسه إلى جانبي، وقال له: هذا أبو عبيدة عَلاَّمة أهل البصرة، أَقْدَمْناه لنستفيد من علمه وقال لي: إني كنت إليك مشتاقًا، وقد سألت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرِّفك إياها ؟ فقلت: هات. قال: قال الله -تعالى-: ?طَلْعُها كأنه رؤوس الشياطين? [الصافات: 65] ، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عُرِف مثله، وهذا لم يُعرف. فقلت: إنما كلَّم الله تعالى العرب على قَدْر كلامهم، أما سمعتَ قول امرئ القيس:

أيقتُلني والمَشْرَفيُّ مُضاجِعي ومَسْنونةٌ زُرْقٌ كأنياب أَغْوال

وهم لم يَرَوا الغول قط، ولكنهم لما كان أمرُ الغول يَهولهم أُوعِدوا به، فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل، وعَزَمْتُ من ذلك اليوم أن أضع كتابًا في القرآن في مثل هذا وأشباهه، وما يُحتاج إليه مِنْ عِلْمه، فلمَّا رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سَمَّيْتُه المجاز».

ولم تقتصر علاقة القرآن بمنهج البحث البلاغي على الدفاع عنه والتماس وجه إعجازه، بل إن ثمة علاقةً أخرى، وهي الضرورة التي يُحِسُّها المسلم من جهة فَهْم معانيه [13] ، ولا يتمُّ هذا الفهم إلا بالإحاطة بأساليبه، وما يمكن أن ينطويَ وراء تعبيراته من المعاني والمقاصد، على قَدْر طاقة المشتغلين فيه. ومن هنا جال علماء البيان بضروب الأسلوب القرآني، وكان هذا من الحوافز التي وجَّهَتْ أنظارهم إلى الفنون المختلفة للتعبير الفني في الشعر والنثر، فوضعوا مصنفات كثير في هذه الحقول [14] ، وكانت هذه المصنفات صدىً لبيان خصائص النظم القرآني.

وكان من جملة أغراض البحث البلاغي عندهم إثبات أنَّ ما عُرِف في أدب العرب من فنون جمالية عالية في التعبير، وقع مثله في القرآن على صورة أجملَ وآنَق، وقد فتحت المصنفات التي تركوها باب البحث البلاغي على مِصْراعَيْه، ووصلَتْ بالذوق البياني إلى كثير من الأصول التي تأسَّسَتْ عليها علوم المعاني والبيان والبديع [15] .

يقول الدكتور بدوي طبانة [16] : «من النادر أن نجد أثرًا من الآثار التي عرضت للبيان العربي خلا من الإشارة إلى القرآن ونظمه، وهذا يؤكِّد بُعْدَ أثر الدراسات القرآنية في نُمُوِّ الدراسات البيانية وتنوُّعها، وعدم انقطاع هذا التأثر في سائر العصور» .

وعندما ازدهر التصنيف في علوم البلاغة كانت خدمة القرآن الكريم ماثلةً أمام العلماء الذين كانوا يَعُدُّون جهودهم مُنْصَبَّةً في هذا المجال، حتى إننا لا نكاد نجد كتابًا في البلاغة مقصورًا على مباحثها النظرية، وبعيدًا عن خدمة القرآن [17] ، فعبد الله بن المعتز مثلًا عندما شرع في البحث عن صنوف"البديع"وفنونه أشار إلى كثير من آيات القرآن، وكان يجعل الشاهد القرآني في مقدمة شواهده، وحين تكلَّم على ما سَمَّاه الجاحظ المذهب الكلامي قال [18] : «وهذا بابٌ ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئًا، وهو يُنْسَبُ إلى التكلُّف» .

وتُرْجِعُ معظم كتب البلاغة سبب تأليفها إلى إطْلاع الناس على مواطن أسرار البيان في القرآن، فالرمَّاني مثلًا يحصر البلاغة في أقسام عشرة هي: الإيجاز والتشببيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان. ثم يمضي لتفسير كل قسم في ضوء الآيات القرآنية وبيان أسرار الجمال فيها، وذلك في كتابه (( النُّكَت ) ) [19] الذي يُعَدُّ حلقة مهمة من حلقات التأليف في البلاغة العربية.

وقد بلغ التصنيف في علوم البلاغة غاية بعيدة من النضج والإحكام على يد الإمام عبد القاهر الجرجاني الذي وضع كتابَيْه"أسرار البلاغة"و"دلائل الإعجاز"، وكان لهما منزلة عالية من نظج التفكير البلاغي، ويتضح فيهما توجيه علوم البلاغة توجيهًا خالصًا لخدمة القرآن الكريم.

وهذا هو صاحب"الصناعتين"يقول في مقدمة كتابه: «قد علمنا أن الإنسان إذا أغفل علمَ البلاغة، وأَخَلَّ بمعرفة الفصاحة، لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خَصَّه الله به مِنْ حسن التأليف وبراعة التركيب» [20] ، بل إن العسكري في كتابه يرى أن أحقَّ العلوم بالتعلُّم وأَوْلاها بالتحفظ بعد المعرفة بالله، علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذي يُعرف إعجاز كتاب الله تعالى الناطق بالحكمة [21] .

وهذا هو يحيى بن حمزة العلوي يؤلف كتابه ويسميه"الطراز المتضمِّن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز"ويتحدث في المطلب الخامس من كتابه عن بيان غرضه فيقول [22] : «واعلم أنه يراد لمقصدَيْن: المقصد الأول مقصد ديني، وهو الاطلاع على معرفة إعجاز كتاب الله ومعرفة معجزة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ لايمكن الوقوف على ذلك إلا بإحراز علم البيان والاطلاع على أسرار البلاغة والفصاحة في غير القرآن في منثور كلام العرب ومنظومه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت