فهرس الكتاب

الصفحة 19057 من 27345

بقلم عبدالله بن محمد المالكي

"...إن الذي يحصل في فرنسا هذه الأيام إنما هي ثورة من أجل الجوع والقهر والحرمان، ضد الثورة التي كانت ترفع شعار (العدالة والحرية والمساواة) .. الثورة التي كان يتغنى بها - قديمًا - رفاعة الطهطاوي..."

(العدالة، الحرية، المساواة) هذه الكلمات الثلاث كانت شعارًا للثورة الفرنسية التي اندلعت سنة 1789م ضد الملكية والإقطاع واضطهاد الكنيسة في أوربا، والتي كان وَقُودها الطبقة المكبوتة المسحوقة من عامة الناس، الذين كانوا يسعون إلى إرجاع كرامتهم الإنسانية بعد أنْ سلبها الإقطاع والكنيسة عبر التاريخ الطويل لأوربا .

ولاشك أنَّ الشعب الفرنسي الثائر استطاع أنْ يزيح عن عاتقه ظلمًا كبيرًا كان يمارسه الإقطاع بالتعاون مع الكنيسة في ظل الملكية، وأنْ ينال شيئًا من الحقوق التي لم يكن يحلم بها من قبل، كحق التعليم وحق العمل وحق الانتقال من مكان إلى آخر وحق المشاركة السياسية ونحو ذلك .

ولكن مع نيله تلك الحقوق وتحرُّره من ربقة الاستعباد .. نريد أن نتساءل بصدقٍ: هل تحقق للشعب الثائر ذلك الشعار البرَّاق الفاتن (الحرية والعدالة والمساواة) بصورة حقيقية وصحيحة تعود بالنفع والمصلحة إلى كافة المجتمع بطبقاته المتعددة، أم أنَّ الثورة رفعت ذلك الشعار، لتُحرِّك به عواطف الجماهير، لمصلحةِ فئةٍ معينة ومحددة فقط دون غيرها ؟

قبل أن نجيب؛ لابد أن نقرر أمرًا مهمًا، وهو أن الشعب الثائر - في ذلك الوقت - لم يكن على مرتبةٍ واحدة، أو من طبقةٍ متساوية، وإنما كان مكَّونًا من طبقتين اثنتين: طبقة عاملة كادحة، وطبقة تملك رأس المال الذي صار في يدها بدلًا من الإقطاعيين في السابق، وذلك بسبب تغيِّر آلة الإنتاج من إنتاجٍ زراعي إلى إنتاج صناعي بعد اختراع الآلة .

هذه الطبقة الثانية - وهي الطبقة (الرأسمالية) والتي كانت تريد أن تنتزع الملك والسيطرة من الملكية السابقة وأن تتخلص من نفوذ الإقطاعيين - استطاعت بعد الثورة بقوة المال والنفوذ أنْ تستولي على السلطان الحقيقي، وأن تدير دفة الثورة لصالحها سواء بالسيطرة المباشرة أو بالسيطرة غير المباشرة عن طريق التأثير على قيادة الثورة .

والمؤرخون الأوربيون [1] يؤكدون بأن الأمور أثناء الثورة وبعد الثورة كانت تجري في مصلحة الرأسماليين (الملوك الجدد) ، الذين هم (أرباب الثورة) في حقيقة الأمر ! وأما الشعوب الثائرة المظلومة والتي خدعت بشعارات الثورة، فلم تنلْ من الثورة إلا الفتات، في حين أن المكاسب الكبيرة كانت لمصلحة أصحاب رأس المال .

صحيحٌ أنَّ الثورة منحة ذلك الشعب الثائر المظلوم معنى الحرية، ذلك المعنى الذي حُرِمَ منه منذ زمن بعيد .. كحرية الكلمة .. وحرية الفكر .. وحرية التنقل .. وحرية العمل .. بل قد منحته الحرية بمعناها المطلق التي لا تحدُّها دينٌ ولا قيم كحرية الجنس والفجور .. وحرية الكفر والإلحاد .. وحرية العبث بالأفكار والقيم .. تلك الحرية المجنونة التي هبتها (الرأسمالية) لشعوبٍ خرجت لتوِّها من ظلم الاستعباد والقهر، فكانت كالنهم الجائع العطشان الذي قُدِّمتْ له صنوف المآكل والمشارب دفعةً واحدة فشرق من كثرة الشرب والأكل حتى فقد عقله وتوازنه !!

نعم؛ لقد نالت الشعوب الأوربية بعد الثورة تلك الحرية بمعناه المدمِّر، ونالت شيئًا من العدالة في الحقوق، وشيئًا من المساواة في الفرص . ولكن في النهاية؛ كانت السيطرة والهيمنة وحق التشريع ووضع القوانين لمن يملك رأس المال !!

لقد كانت الرأسمالية تملك زمام الأمور، وكان باستطاعتها أن تشكَّل الرأي العام على وفق مصالحها، وذلك بالسيطرة على وسائل الإعلام بقوة المال، فكان بمقدرتها أن ترفع من تشاء وأن تخسف من تشاء ! فضلًا على أن السياسة بمفهومها الجديد بعد الثورة لم يكنْ يحركها إلا المال، وأهل المال لا يبذلون المال إلا إذا كان سيحقق لهم أضعاف ما بذلوه ! ولكن على حساب منْ ؟! إنه على حساب العمال المساكين الفقراء .

إنني لستُ اشتراكيًا ولا ماركسيًا، ولكني أرى الرأسمالية الجشعة التي لا تشبع أبدًا من دماء العمال الفقراء قد كشَّرت أنيابها في أوربا، والتي كان يقول عنها الدكتور (شاخت) الألماني منذ الأربعينيات:"إنها تزايد الأموال في يد فئةٍ يتناقص عددها على الدوام، وزيادة الفقر في عدد متزايد من الناس" [2] ، هذا في الأربعينيات ! فكيف الآن وبعد انفراد (الرأسمالية) بالسوق الدولية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت