فهرس الكتاب

الصفحة 21710 من 27345

لقد آن الأوان...؟؟!! ... ... ...

التفرق المحمود، والمذموم:

الفِرقة، بكسر الفاء، هي: الجماعة من الناس، المفارقة عن الجماعة الأم..

والفُرقة، بضم الفاء، هي: حال التفرق، عكس الاجتماع والاتحاد..

فالأولى مذمومة في حال، ومحمودة في حال، فإن كانت المفارقة سببها التمسك بالحق فهي محمودة، وإن كان سببها الخروج عن الحق فهي مذمومة..

ولذا نجد في الأثر أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، أي ثنتين وسبعين فرقة، وواحدة في الجنة، هي الفرقة الناجية، التي تكون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، فهذه الناجية فرقة تمسكت بالحق، فأفلحت ونجت..

روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) .. الإيمان، باب: افتراق هذه الأمة، صحيح الترمذي 2/334 ( 2129) .

في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة إذا وقت الفرقة ( كما في البخاري في الفتن) :

- (تدع تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) ..

هذا يدل على أن الفِرقة محمودة إذا كان فراقها وخروجها سببه لزوم الحق، ورفض الباطل..

وأما الثانية، وهي الفُرقة، فهو وصف مذموم في كل حال، لأنه ينم عن الاختلاف، والتنافر، والعداوة، بين أهل الملة الواحدة، مع وجود الحق ومعرفته، وقد نهى الله تعالى عن مثل هذا، فقال:

- {ولاتكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} ..

- {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولاتكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} .

فأهل الكتاب والمشركون هم من علاماتهم الفُرقة وما ينبني عليها من العداوة، وذلك لأنهم أهل هوى وحب للدنيا، وقد مزقوا دينهم فكانوا أحزابا وشيعا، وأهل الإسلام مأمورون بضد ذلك، فإن امتثلوا فقد حققوا دينهم، وإلا فهم مشابهون لأولئك الضلال في صفاتهم..

-الأصل الشرعي: الاجتماع.. الأصل القدري: الاختلاف:

والواقع أن أهل الإسلام وقعوا في هذا المحذور، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بحدوث ذلك، في حديث الافتراق، فكان ذلك من علامات النبوة: الإخبار بما في المستقبل..

-أخبر بها ليحذر أهل الحق من هذه الفتنة، المسببة للعداوة والبغضاء، وضعف المسلمين..

-أخبر بها لأنها واقعة قدرا، وإن كانت مكروهة شرعا .. ليدفعها المسلمون ما استطاعوا..

ففي الاجتماع فائدتان، وفي الفرقة مفسدتان:

-في الاجتماع: القوة، وبها ينتصر الحق.. والتآخي، وبه يذوق المؤمنون الطعم الجميل للحياة..

-في الفرقة: الضعف، وبه ينهزم الحق.. والعداوة، وبها يذوق الناس الطعم القبيح للحياة..

قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ..} .

فالشريعة تنهى التفرق بين المسلمين، وتأمر بالاجتماع، بالاعتصام بحبل الله تعالى، الذي هو الكتاب والسنة، في نصوص كثيرة متنوعة، لكنها أيضا تبين أن التفرق قدر واقع، يجب التوقي منه، ومدافعته، والتقليل من شره، كالمرض، فإن معرفة أن المرض قدر واقع لم يمنع الناس من الوقاية منه، ومن علاجه بكل وسيلة، فهذا مرض البدن، والتفرق مرض المجتمع، فلا بد من التوقي منه، وعلاجه إن وقع بكل وسيلة..

وتجربة الأنبياء أثبتت أن من الممكن القضاء على التفرق والاختلاف، وتحصيل الاجتماع..

قال تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} ..

فقد بين أن الخلاف هو الأصل، لكن كذلك بين أن الاجتماع ممكن في قوله: {إلا من رحم ربك} .

والاجتماع هو الأصل في أمة المسلمين، وفي تاريخ البشرية، فأمة الإسلام بنيت علي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي جمعها، ووحدها، وربط بينها، فمات وهي مجتمعة متحدة، ثم بعد عقود سرى المرض إلى الجماعة، بفعل المرضى المفسدين، الذين يفسدون في الأرض ولايصلحون، حتى تمكن فأفسد وفرق..

وكذا البشرية في أول أمرها كانت على الاجتماع، من عهد نوح إلى آدم، عشرة قرون، لم يكن بينهم تفرق، حتى حدث مرض الشرك، بعبادة الأصنام، قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت