ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ: 12 - 04 - 2004 نسخة للطباعة القراء: 7498
أُثير في الأيام الأخيرة موضوع الحجاب في فرنسا ومنع المحجبات من دخول المواقع الرسمية فيها، فتصدّى المسلمون في الغرب لهذا القرار، وساندهم في ذلك علماء المسلمين ومفكّروهم ودعاتهم وعامة المسلمين في العالم، فنطقت الألسنة والأقلام وخرجت المسيرات والمظاهرات احتجاجًا على هذا القرار الذي يعتقد المسلمون أنه أساء إلى فرنسا وصورتها إساءة كبيرة قبل أنه يسيء إلى المحجبات.
ولكن الأمر الذي هو أشد من هذا القرار وأكثر إيلامًا منه هو فتوى شيخ الأزهر سيد طنطاوى التي أعطى فيها الحق لفرنسا لاتخاذ مثل هذا القرار وطلب من المسلمين في فرنسا قبول هذا القرار والرضوخ له.
نحن ندرك أنه لا يجوز للمسلمين اختزال الإسلام في موضوع الحجاب، كما أنّ عليهم أن لا يعتبروا أن المعركة الكبرى التي يواجهونها اليوم هي معركة الحجاب، فهناك قضايا أعمق وأكبر مثل قضية فلسطين وقضية العراق والهيمنة الصهيوامريكية وغيرها من القضايا المحورية التي يتوجب على المسلمين التصدّي لها.
ولكننا أيضًا ندرك أن قضية الحجاب تمسّ واقع عشرات الملايين من المسلمين في الغرب، وأنها إحدى قضاياهم التي لا يمكن التخلي عنها، وأن السماح أو التبرير لنزع الحجاب فيه من المفاسد والمضار الشيء الكثير، فضلًا عن أن الحجاب هو فريضة فرضها الله على المسلمين بنص القرآن، وقد أجمع علماء المسلمين على ذلك، حيث يقول تعالى: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن } [ النور: الآية 31 ] ، ويقول كذلك: { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } [ الأحزاب: الآية 59 ] .
إنّ فتوى شيخ الأزهر قد أصابت جموع المسلمين في مقتل وصدمتهم أيما صدمة.
فظلم ذوى القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند.
إنّ القيام بالفتوى لهو أمر عظيم، إذ حقيقة الفتوى هي التوقيع عن الله تعالى، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم في إعلام الموقّعين:"إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحلِّ الذي لا يُنكر فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيِّات، فكيف بمنصب التوقيع عن ربّ الأرض والسماوات ؟!! فحقيق بمن أٌقيم في هذا المنصب أن يُعدَّ له عُدّته، وأن يتأهّب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أُقيم فيه، ولا يكون في صدره حرجٌ من قول الحقّ والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاّه بنفسه ربّ الأرباب، فقال تعالى: { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهنّ .. } [ النساء: الآية 127 ] ."
ونظرًا لخطورة الفتوى وأثرها البالغ فقد وضع فقهاء المسلمين شروطًا صعبة لمن يقوم بها، ومنها: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا فقيهًا مجتهدًا عدلًا، وأود هنا أن أنقل ما ذكره الدكتور عبد الكريم زيدان ( أصول الدعوة/151-160) فيما يتعلق بشرط العدالة حيث يقول:
"العدالة هيئة يكون عليها المسلم، من مقتضياتها ولوازمها فعل المطلوب شرعًا وترك المنهي عنه شرعًا، وهجر ما يخرم المروءة ويوقع في التهم والشكوك، وأن تكون أخلاق صاحبها وسلوكه على النحو اللائق بعلماء الإسلام."
هذا وإنّ ما يناقض العدالة ليس على درجة واحدة من القبح وشدة المناقضة، ولهذا كان بعضها مسقطًا للعدالة دون بعض، فالمسقط منها مثل القول على الله ورسوله بغير علم إمّا عن طريق الابتداع في الدين أو بالتأويلات الفاسدة الظاهرة الفساد والبطلان، ومثل مجاراة الظلمة والإفتاء لهم بما يشتهون، وأخذ الرشوة ونحو ذلك. وغير المسقط للعدالة مثل ارتكاب الصغيرة من المعاصي وعدم الإصرار عليها.
وقد اشترط العلماء شروطًا أخرى في المفتي ليتمكن من أداء وظيفته على نحو جيد وسليم، فقالوا: يشترط فيه أن يكون على قدر كاف من اليقظة وجودة الذهن والمعرفة بالناس ومكرهم وخداعهم حتى لا يقع في هذا الخداع وذلك المكر، وأن يكون صلبًا في دينه لا تأخذه في الحق لومة لائم، وأن لا يتأثر بوعد أو وعيد، وأن يكون على قدر كبير من الورع والزهد ومخافة الله تعالى". ( انتهى) ."
أرجع مرة أخرى إلى فتوى شيخ الأزهر حفظه الله تعالى لأبين بعض الآثار الاستراتيجية الخطيرة لهذه الفتوى على الأقليات الإسلامية في الغرب خصوصًا وعلى جمهور المسلمين في العالم عمومًا ولعل من أهم هذه الآثار السلبية ما يلي: