فهرس الكتاب

الصفحة 2345 من 27345

بقلم/ عبد السلام البسيوني

في بعض الأجيال العوجاء - كجيلنا - تنقلب المفاهيم وتختل النسب ، ويطفو الزبد التافه على السطح الموّار ، فلا ترى على وجه الماء إلا قشًا ، وقصاصات جرائد ، وفضلات من الزبالة ، وقطع الخشب ، وربما رأيت جثة منتفخة ( لكلب نافق ) أو حمار (فطيس ) ، في حين يرسب في القاع الجوهر والدر الثمين هنالك في الظلام بعيدًا ، حيث السكون التام والبعد السحيق ، ومن أراد الحصول على شيء من اللؤلؤ والكنوز الخبيئة ، فلا بد له من أن يغوص ويغوص ، محتملًا ضغط الماء ، وظلمة القاع ، ومخاطر البعد عن الأنس .

وفي زمننا - المدهش - عدد من الرجال اللآلئ ، الذين يتمتعون بخاصية الندرة والنفاسة وارتفاع القدر: محمود محمد شاكر ، والمختار الشنقيطي ، وعنتر حشاد ، وأحمد المحلاوي ، وأشباههم من الذين لم تستغوهم الفلاشات ، ولم تستهوهم الشاشات ، أو تسحرهم وتتلعب بهم الإذاعات .

وهذه قضية تاريخية ، ليست وليدة أيامنا ، إنما هي بلية قديمة: أبو حيان التوحيدي يحرق كتبه التي أنفق عمره وعقله عليها ؛ لأنه رأى أهل زمانه يتجاهلونه ولا يقدرونه ، عالم آخر - نسيت اسمه - يترك البلد ويهاجر ، فيسأله تلاميذه الذين لم يفطنوا لحاله: لماذا تتركنا وتنتقل عنا ؟ فقال: لو وجدت كيلجة باقلاء لكفتني ، ولما فارقتكم !! نعم إنه النحوي البصري النضر بن شميل .

كأنها حتمية أو سنة مطردة: من شاء أن ( يقب ّ) على السطح فليس له بد من أن يغازل أعتاب الوجهاء ، أو يبش في وجه (قبضايات) القرن - الصحفيين والإعلاميين ، رضي الله عنهم ومد ظلهم العالي - لعله أن يحصل له شيء من الانطلاق والتلميع و ( البروزة ) .

أما من رزقوا الشمم ، وعلو الهمم ، وتقدير النفس ، فإنهم يبقون معرضين عن السفاسف ، طالبين للمعالي ، متفرجين على ما يدور من عجائب وتناقضات ، راصدين - في توتر - للتحولات في الأفهام التي باتت تقبل ما لم يكن مقبولًا ، وتستبيح ما ليس يستباح بل ما لا يخطر ببال أحد أن يقترب منه .

ورحمة الله على القاضي الجرجاني الذي صرخ منذ وقت بعيد:

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أهانوه فهان .. ولطخوا

محياه بالأطماع حتى تجهما

أأشقى به غرسًا .. وأجنيه ذلة ؟!

إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما

ورحمة الله على البارودي فارس السيف والقلم الذي قال:

خلقت عيوفًا لا أرى لابن حرة

عليّ يدا أغضي لها حين يغضب

إذا أنا لم أعط المكارم حقها

فلا عزني خال .. ولا عزني أب

ومن اللآلئ الساكنة في قاع المولد الإعلامي والدعوي الأستاذ العالم المتواضع - أحسبه والله حسيبه - أنور الجندي .. الذي خسرته أمة لا إله إلا الله قبل أيام ، ولم يزاحم أحدًا في محاضرة ، ولا موقف فخر ، ولم يزعج وسائل الإعلام كي تتابع أخباره ، وتتحدث عن عنترياته وبطولاته منذ كان في ( اللفة ّ) .

رأيته مرة واحدة قبل عقد من السنين ، حين ذهبت إليه في بيته بالطالبية ، الجيزة ، فلقيت رجلًا من النادرين ، بسيطًا بساطة عاميّ خام ، متواضعًا تواضع زاهدً ، لينًا لين أب رحيم ، واقعيًا لدرجة تدعو للأسى والغضب .

رأيت ويا سوء ما رأيت ، بيته المتهالك في قلب (سوق الخضار) إي والله ، ومن الصباح الباكر تقضّ مضجعه نداءات الباعة - عبر مكبرات الصوت - على ما لديهم من (الورور ) والجبنة القديمة ، واللحمة العجالي ، والأمشاط والفلايات ، والمناخل ، والغرابيل ( ولا تين ولا عنب زيك يا برشرمي ) ، فإذا هدأت ضجة الميكروفونات قليلًا ، لم تهدأ مشاجرات ومناقرات جاراته ، وكلامهن المنتقى ، ولم ينقطع ضجيج ( العيال ) العفاريت ، الذين يتقاذفون الكرة ( صدة ردة ) في عز نقرة الحر ، والمتبادلين لما لذَّ وطاب من الألفاظ التي يحلو للعامة أن يتقاذفوا بها في غير شحناء ولا خصومة .

دخلت حيث يسكن ، ومعي فريق للتصوير التليفزيوني بعد أن أنهكنا البحث ، فقد كنا نظن أنه من ساكني الفيلات الفاخرة ، أو القصور (المحندقة) ، فإذا بنا نسأل المكوجي والجزار والجار فيقولون في استفهام: من أنور ؟ لا نعرف أحدًا بهذا الاسم ، وحين اهتدينا إلى بيته المتهالك ، لم نجد مكانًا عرضه متر × متر ، يصلح لأن نجلس به ، بسبب قدم المكان ، وكثرة الكتب التي زحفت إلى كراسي غرفة الاستقبال .

· ما رأيك يا أستاذنا الكبير لو تحركنا إلى الفندق لنتمكن من التصوير ، حيث المكان واسع ؟

-لا بأس .. كما تشاؤون .. تفضلوا وسألحق بكم .

وبشيء من التخابث سألته: كيف ستدركنا يا أستاذ في هذا الزحام .. كيف ستقود سيارتك ؟

-لا .. لا أملك سيارة .. سألحق بكم بالأتوبيس .

وكأنما لسعني بكرباج فهتفت: الله أكبر .. بالأتوبيس ؟ أنت العالم الكبير ( تتشعبط ) ونحن نسبقك بسيارة خاصة ؟

-وماذا في ذلك ؟ لقد تعودت ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت