فهرس الكتاب

الصفحة 14489 من 27345

بقلم: الأستاذ محمد رجاء حنفي عبد المتجلي

إن لكل فرد من الأفراد الحق في تقرير واعتناق ما يراه صحيحًا من نظريات العلم التي تتّصل بظواهر الكون ، من النبات ، والحيوان ، والإنسان.

والإسلام لم يحاول على وجه الإطلاق أن يفرض على العقول أيّة نظرية علمية معينّة بصدد الظواهر الكونية ، وكل ما يفعله في هذا الصدد هو حفز العقول ، وحثّ الهمم على النظر والتأمّل في آيات الكون ، واستنباط قوانينها العامة ، وأنها جديرة بالعبرة والبحث العلمي ، وذلك كاختلاف الليل والنهار ، وتتابع الفصول ، والشمس والقمر، وتناسل الحيوان والطيور والنبات ، وما إلى ذلك مما يتّصل بشؤون الحياة والكون ، يقول المولى - تبارك وتعالى-: ?أَوَ لَمْ يَنْظُرُوْا فِي مَلَكُوْتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيءٍ (1) ? ، ويقول جلّ شأنه: ?وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ . وَجَعلْنَا فِيْهَا جَنَّاتٍ مِّنْ نَّخِيْلٍ وَّ أَعْنَابٍ وَّ فَجَّرْنَا فِيْهَا مِنَ العُيُونِ . لَيَأْكُلُوْا مِنْ ثَمَرِه وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيْهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُوْنَ. سُبْحَانَ الَّذِيْ خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَيَعْلَمُوْنَ . وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ . وَالشَّمْسُ تَجْرِيْ لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذالِكَ تَقْدِيْرُ العَزِيْزِ العَلِيْمِ . وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتّى عَادَ كَالْعُرْجُوْنِ القَدِيْمِ . لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِيْ لَهَا أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارَ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَّسْبَحُونَ (2) ?، ويقول الحق جل وعلا: ?أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُرْجِيْ سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَه ثمَّ يَجْعَلُه رُكَامًا فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِه وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيْهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيْبُ بِه مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُه عَنْ مَّنْ يَّشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِه يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ (3) ? .

وإن من القواعد التي قام عليها الإسلام النظر والاقتناع ، اللذان يكون من نتيجتهما المعرفة النظرية ، وقد قال علماء التوحيد: إن أول ما يجب على المكلّف هو النظر ثم تأتي بعده المعرفة .

وهذا هو الشأن بالأحرى فيما يتعلّق بالمذاهب والنظريات والأفكار التي ينتهجها الإنسان في حياته ويسير على أسسها ، وقد وصف المولى - تبارك وتعالى - المؤمنين بقوله: ?الَّذِيْنَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُوْنَ أَحْسَنَه أُولئِكَ الَّذِيْنَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلائِكَ هُمْ أُوْلُوْ الأَلْبَابِ (4) ? ، بالذين يحسنون اختيار المنهج الذي يتّبعونه يمتازون بالعقل والهداية ، ولاشك في أنهما من أفضل الصفات .

والعلم في الاعتبار الإسلامي هو نتيجة النظر والبحث والمشاهدة والتجربة التي تؤدّى إلى اليقين بالمعلومات ، ويشبه ذلك العلم الذي يأتي عن طريق الوحي الذي يصحبه الإيمان من المكلّفين ، لأن التصديق بالوحي متفرّع عن الإيمان ، فتكون له نفس نتيجة النظر والتجربة ، يقول المولى - تبارك وتعالى - في محكم آياته: ?وَلاَ تَقِفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (5) ?، فإذا أهمل الإنسان سمعه أو بصره أو فؤاده ، ولم يستعملها في الوصول إلى الحقائق ، وركن إلى اتّباع ما لا ينبني على قاعدة علمية من الأباطيل والأوهام ، فإنه بذلك يكون قد خان أمانته وأبطل عمل القوى المدركة التي وهبه المولى - تبارك وتعالى - إياها ، واتَّبع الذين يخضعون للظنون والأهواء، فيكون مسئولًا عن ابتعاده عن طرق المعرفة الحقيقية وجريه وراء الهوى والخيال .

وبذلك يكون الإسلام قد أرشدنا إلى البحث والنظر للاهتداء إلى الحقائق ، وفتح أمامنا أبواب الحرية في هذا المجال .

وإذا كان الإنسان مؤاخذًا في اعتبار الشرع على إهماله حق نفسه في النظر والبحث العلمي ، فمن باب أولى لايجوز لأحد أن يمنع عنه أسباب العلم ، أو يحرمه من اتّخاذ الوسائل التي تمكّنه من الدرس والجدل والمناظرة والبحث والتجربة .

وإذا كان الإسلام يعتبر الفرد مسؤولًا عن البحث عن الحقائق العلمية وتخليص العلم من الشوائب التي تتنافى مع الرواية الصحيحة ، أو التجربة المشاهدة ، أو الفكر السليم ، إذا كان الأمر كذلك فقد فتح الإسلام باب العلم والمعرفة على مصراعيه أمام جميع الناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت