والإسلام حينما يحثّنا على العلم يبيّن لنا أن صاحبه يقترن ذكره بذكر المولى - تبارك وتعالى - وملائكته ، يقول جلّ شأنه: ?شَهِدَ اللهُ أَنَّه لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَهُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيْزُ الْحَكِيْمُ (6) ? ، كما يبيّن لنا أن العالم لا يتساوى مع الجاهل ، يقول الحق - عز وجل -: ?قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِيْنَ يَعْلَمُوْنَ وَالَّذِيْنَ لاَيَعْلَمُوْنَ (7) ? ، وصرّح بأن بين المؤمن الجاهل وبين المؤمن العالم درجات ، يقول تباركت أسماؤه: ?يَرْفَعِ اللهُ الَّذِيْنَ آمَنُوْا مِنْكُمْ وَالَّذِيْنَ أُوْتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ (8) ? .
يقول"البيضاوي":"يرفع الله الذين آمنوا منكم بالنصر وحسن الذكر في الدنيا ، وإيوائهم في غرف الجنان في الآخرة"، وقال في قول المولى -تبارك وتعالى-: ?وَالَّذِيْنَ أُوْتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ? ، ويرفع العلماء منهم خاصة درجات بما جمعوا من العلم والعمل ، فإن العلم مع علو درجاته يقتضي العمل المقرون به مزيد الرفعة ، ولذلك يُقْتَداى بالعالم في أفعاله ولايُقْتَداى بغيره ، وفي الحديث الشريف يقول المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه-:"فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب".
يُعْناى الإسلام بتعليم القراءة والكتابة لتوسيع نطاق العلم والمعرفة ، وتدبّر المعاني والحكم التي ينزل بها وحي السماء ، يقول المولى تبارك وتعالى في محكم آياته: ?اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقَ . خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقَ . اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِيْ عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (9) ? .
فهذه الآيات الكريمة شاملة لمعان عديدة في كلمات قليلة ، فقد ذكرت القراءة ورمزًا للكتابة بذكر القلم ، وأثبتت أن للوجود خالقًا وهو الله - عز وجل - ، وأشارت إلى قضية علمية ، وهي أن الإنسان قد خُلِقَ من علق ، كما دلّت على أن الإنسان لايزال يبحث ويكتشف ، وأنه سيظهر الجديد من العلوم على يديه مادامت هذه الحياة قائمة .
والإسلام وهو يدعو إلى التدبّر وأعمال الفكر يتوجَه بالخطاب إلى العقل البشري ، وهو يسوق الأدلّة ، ويوضّح الفائدة والحكمة في كل ما يأمر به، والأضرار والأخطار في كل ما ينهى عنه ، ليكون سلوك الإنسان في حياته عن حرية واقتناع ، وعلى ضوء من المعرفة ، حتى لايصبح أشبه ما يكون بآلة صمّاء .
وليس في القرآن الكريم أسرار أو رموز يكون حلّها أو كشف معانيها حكرًا على شخص معيّن ، أو طائفة معيّنة دون غيرها ، فهو يمتاز بالوضوح والصراحة ، لأن الغموض يجعل فهم الدين عسيرًا على الأفراد ، وقد جاء الدين لتثقيفهم وتهذيبهم ، كما أنه في هذه الحالة يمكّن طائفة من الناس من الاستئثار بمعرفة الرموز ، وجعل ذلك طريقًا للاستعلاء ، والتحكّم في نصوص الكتب السماوية، وهذا ما لا يريده المولى تبارك وتعالى ولا يرضى عنه، ولذلك لانجد في القرآن الكريم غموضًا أو ألغازًا ، فهو واضح كل الوضوح ، ميسّر للفهم والذكر والعمل، ولقد قال المولى - عز وجل - في هذا الشأن: ?وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنِ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ (10) ? .
والأمثلة على يسر القرآن الكريم ووضوحه كثيرة، ففيما يتعلّق بوجود الله - سبحانه جل شأنه- أتى القرآن الكريم بعدّة براهين على ذلك . وكلّها براهين عقلية ، يكفينا أن نذكر منها قوله -عز وجل-: ?أَمْ خُلِقُوْا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُوْنَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ بَلْ لاَّيُوْقِنُوْنَ (11) ? ، فالعقل يفكّر فيدرك أنه لم يُوْجِدْ عن طريق الصدفة من غير إله خلقه ، كما أنه لم يُوْجِدْ نفسه ، والبشر هم أرقى الكائنات الحيّة ، ومع ذلك لم يوجدوا شيئًا منها ، فلابدّ إذن من وجود إله خالق للعالم ، خلق الوجود ونسقّه على هذا النظام البديع .
وفي مجال التوحيد ونفي تعدّد الآلهة بيّن أن وجود أكثر من إله واحد يؤدّي إلى التعدّد في نظام المخلوقات والتفاوت ، يقول الحق - جل وعلا-: ?مَا تَراى فِي خَلْقِ الرَّحْمانِ مِنْ تَفَاوُتٍ (12) ? ، وتعدّد الآلهة ينتج عنه تعدّد مراكز النفوذ وتنازع الآلهة على النفوذ ، وهذا ما نفاه المولى - جل شأنه - بقوله: ?قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَه آلِهَةٌ كَمَا يَقُوْلُوْنَ اذًا لاَّبْتَغَوا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيْلًا (13) ? ، ويقول تقدّست أسماؤه: ?مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَّلَدٍ وَّمَا كَانَ مَعَه مِنْ اله اِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ اله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُوْنَ (14) ?.