فهرس الكتاب

الصفحة 11991 من 27345

انني سعيد جدًا لإتاحة الفرصة لي لكتابة كلمة تعريف لـ "المثنوي العربي النوري" لبديع الزمان سعيد النورسي. فمن الواجب دراسة هذه الشخصية السامقة دراسة جدية وواسعة وتعريفها وتقديمها الى الانسانية جمعاء. ذلك لان "بديع الزمان سعيد النورسي" يقف في مقدمة صفوف مفكري هذا القرن من الذين قدموا وبشكل مؤثر ونقي ودون شوائب، العقيدة التي يعتنقها العالم الاسلامي وحياته الروحية العريضة، ومعاييره المعنوية الواسعة. ونحن لا نعتقد باننا نستطيع فهمه او فهم أفكاره ان اقتربنا منه ومن افكاره بشكل عاطفي، فمثل هذا الاسلوب لن يكون اسلوبًا جديًا في فهم المسائل التي طرحها والتي دافع عنها طوال حياته دفاع الابطال، فقد كان طوال حياته انسانًا يعيش تحت ظل الكتاب والسنة ويحلق باجنحة المنطق والتجربة، ومع عمق عالمه العاطفي، وقلبه المشبوب بالعشق الالهي فقد ظل على الدوام رجل عقل ومنطق.

لقد قيل وكتب الشئ الكثير حتى الآن عن سمو افكاره وعن فهمه لطبيعة عصره، وبساطته وروحه الانسانية الواسعة، وعن وفائه وارتباطه باصدقائه وعن عفته وتواضعه وزهده واستغنائه عن الجميع. ويمكننا ان نقول بان كل وصف من هذه الاوصاف المذكورة اعلاه يمكن ان يكون موضوع كتاب مستقل، وهي اوصاف طالما اهتم بها في كتبه وأكد عليها. ثم ان هناك العديد من الشهود الاحياء وهم طلابه الذين سعدوا بالعيش بقربه وتعرفوا على عمق عالمه الروحي وسعته.

ومع ان مظهره الخارجي كان متواضعًا جدًا في غاية البساطة الا انه كان صاحب تفكير عميق وصاحب حركة نشطة وقوية قل نظيره. فقد قام باحتضان الانسانية كلها متناولًا مشاكلها الحيوية، ومتحديًا الكفر والضلال ومعلنًا الحرب على الاستبداد وعلى الدكتاتورية، مسترخصًا روحه في سبيل وفائه وخلقه الشجاع، وكان استقباله الموت ببشاشة وبابتسام سلوكًا اعتياديًا عنده.

وبجانب مشاعره الانسانية الغنية فقد بقي في دعوته مرتبطًا بالكتاب والسنة مع الأخذ برقبة العقل والمنطق. لذا فقد تجلى في مظهره وسلوكه جانبان:

جانب العاطفةالمشبوبة الى درجة الوجد والعشق وصفة الرجولة والشجاعة.. ثم جانب رجل الفكر صاحب العقلية الفذة الذي يسبق معاصريه بنظراته الثاقبة وبخططه ومشاريعه الكبيرة.

ان فهم سعيد النورسي وفهم دعوته من هذه الزاوية يفيدنا في فهم معنى العصر الذي نعيش فيه.

وعلى الرغم من قيام البعض بتناسي هذا فان الحقيقة هي: ان سعيد النورسي عُد من افضل مفكري وكتاب جيله وعصره، واستطاع ان يكون قائدًا للجماهير ومتحدثًا باسمها، ولكنه لم يُعجب بنفسه، ولم يهتم بالمظاهر. وبذل كل جهوده للابتعاد عن الشهرة والصيت لذا فالقول المأثور عنه "الشهرة عين الرياء وموت للقلب" ليس الا حكمة ذهبية واحدة من بين حكمه العديدة في هذا الموضوع.

لقد استطاع سعيد النورسي ان يكون - مع بضعة آخرين - في رأس قائمة الكُتاب والمفكرين في طول العالم الاسلامي وعرضه في القرن العشرين، وان تكون كتبه مقروءة بشوق وبحب من قبل مختلف المستويات وان يكون من الشخصيات التاريخية التي لا تبلى مع الزمن ولا تُنسى مع الايام.

ان جميع كتب بديع الزمان ومؤلفاته محصول لجهد فكري كبير في تفسير وتناول بعض الامور - المفتوحة للتفسير - من زاوية العصر الذي ولد فيه. وتستطيع ان تقرأ وتسمع في كتبه صرخات ألم الاناضول والعالم الاسلامي وأنينهما وكذلك اصوات البشائر وزغاريد امل الاناضول والعالم الاسلامي... صحيح انه ولد في قرية نائية من قرى احدى الولايات الشرقية في تركيا الا انه احس دائمًا انه ابن الاناضول، واحس بنبض مشاعرنا كابن مرموق من ابناء اسطنبول، ولكنه في جميع الاحوال كان يضم البلاد كلها الى صدره بكل حنان وعطف ومحبة.

عاش بديع الزمان في فترة عاصفة سادت فيها الفلسفة المادية وانتشرت فيها الشيوعية انتشار النار في الهشيم... فترة ادلهمت فيها الخطوب وحَلُكَ فيها الظلام... في هذه الفترة العصيبة قام بديع الزمان بكتبه ومؤلفاته بنفخ روح الامل والايمان في انسان عصرنا المضطرب، وبارشاده الى طرق الايمان والامل. ونفخ في الجماهير في كل مكان زاره روح البعث بعد الموت والحركة بعد الجمود.

لقد راى بثاقب بصره ان اهم مشكلة يجب تناولها وحلها هي مشكلة الفوضى النابعة من الكفر والالحاد، لذا قضى حياته كلها وهو يؤكد لانسان عصرنا ضرورة معالجة هذا الداء، وصرف جهدًا يفوق طاقة البشر في هذا الخصوص، فقد كان على وعي كامل بالمسؤولية الملقاة على عاتقه في هذا العالم الذي وجده يتلوى امامه من آلام الأزمات الخانقة والمشاكل المزمنة... وعندما تصدى لحمل هذا العبء الذي تشفق الجبال من حمله، تصدى لذلك بكل تواضع وحياء، ولكن بكل ثقة وبكل اطمئنان ايضًا بقدرة الله المطلقة وغناه اللامحدود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت