أ. د. عماد الدين خليل 6/9/1426
ليس تفسيراً -وحاشا لله- ولكنها مقاربة أو محاولة للفهم، قد تخطئ وقد تصيب، إلا أن النية التي تكمن وراءها ربما تشفع لها أمام الله ..
هزّتني مقاطع من سورة الأعراف .. تكشّفت لي فجأة عن تصوّر للوجود، كما يعرضه كتاب الله، ما خطر على بالي من قبل بهذا الوضوح والارتباط.
ودائماً كنت أقول بأن وقفة متأملة، أو محاولة جادة للمقاربة مع مقطع من كتاب الله، قد تفتح المغاليق، وقد تكون أكثر جدوى من عشر ختمات للقرآن الكريم!
هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ .. صدقت يا رسول الله؛ فأنت بكلماتك هذه أوجزت المعجزة وقلت فيها ما يكفي .. ولكن أين القلوب التي تحسّ، والعقول التي ترى، وكيف تُكسر الأقفال التي خُتمت بالشمع الأحمر على الأفئدة والأسماع والأبصار؟!
هزتني مقاطع من سورة الأعراف؛ إذ وجدتني ـ فجأة ـ قبالة حالة أو وضع يريد الله ـ جلّت قدرته ـ أن يتحقق في هذا العالم.. مع الإنسان تماماً .. لصالحه تماماً .. على كل المستويات .. سعادة، ورفاهية، وتوحّداً، وأملاً، وأمناً، وإصلاحاً، وعطاءً، وعمراناً، وعدلاً، وانسجاماً ..
وإزاء حالة مضادة في الوقت نفسه، تسعى كلمات الله جلّ في علاه، إلى هدمها، وتدميرها، والانقلاب عليها، وإزالتها من الوجود.. ضد الإنسان تماماً .. ضد مصلحته ووضعه البشري على كل المستويات: تعاسة، وفقراً، وتمزقاً، ويأساً، وخوفاً، وإفساداً، وتخريباً، وكسلاً، وتشتتاً، وظلماً ..
أكثر من هذا: إن الحالة الأولى تتجاوز الوفاق مع الذات والآخر.. تتجاوز المجتمع والبشرية والعالم، صوب الطبيعة والوجود والكون، لكي تجعلها جميعاً في صيغة توافق، وتضادٍ مشترك، وعطاء، وتسخير، وتبادل في الأداء .. يؤول في نهاية المطاف إلى أقصى حالات الانسجام بين الإنسان والعالم والطبيعة والوجود والكون .. يشكل البيئة التي تتوحد فيها الظواهر والأشياء .. الإيقاع الذي يتحرك، وهو يسبّح بحمد الله، ويتوجه إليه وحده بلا شريك .. وحده بلا ندّ .. لكي يرتفع بالإنسان، أكثر فأكثر، يصعّد به في المراقي، يصنع الإنسان الكوني الذي يتجاوز شد الأرض وجاذبيتها إلى فوق ..
وهو في مهرجانه المتسامي هذا.. بالإنسان والجماعة والحياة.. يستجيش كل الطاقات والقدرات البشرية: الروحية والعقلية والحسّية والوجدانية.. ويوظف كل إمكانات الطبيعة والعالم والوجود، بدءًا من دفق الضوء القمري ودفء الشمس، وانتهاء بالينابيع والجداول والأنهار والأمطار والنبات والحيوان .. كلها تتلاءم وتتواءم، لكي تقدم أقصى ما تستطيع أن تقدمه للإنسان، وبأكبر قدر من الأُلفة الميتافيزيقية والودّ والتوحّد والمحبة والتناغم والانسجام ..
والنبوّات التي تتحدث عنها مقاطع سورة الأعراف هذه، انما هي في نهاية الأمر وبدئه، نبوة واحدة .. هي الدعوة نفسها .. الصوت والنداء والفاعلية المتواصلة في الزمن والمكان، من أجل الخروج بالإنسان من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ..
إن الحالة الضدّ التي تتحدث عنها الآيات البينّات حيناً، وتتركها حيناً آخر، لكي يتملاّها الذهن كصيغة مضادة للقيم والمرتكزات الإيجابية التي ألمحنا إليها قبل قليل .. هذه الحالة التي يدينها كتاب الله ويعلن الحرب عليها .. ما الذي تصنعه بالإنسان .. وإلى أي المآزق تقوده، وعبر أي من الطرق المعوجة تمضي به لكي ما تلبث أن تمرّغه بالتراب، وتحجر عليه في الثقوب الضيّقة، وتدفن وجوده البشري في لزوجة الطين وشدّ الجاذبية .. وتضيّق الخناق على وضعه في العالم لكي يغدو بموازاة عالم النحل والنمل والأنعام والحيوان..؟!
تريد الحالة الأولى أن يصير الإنسان إنساناً ، وأن تكون قامته مرفوعة إلى فوق، عالية بما هي قامة إنسان أُريد له أن يكون سيد المخلوقات جميعاً.. وتريد الحالة الثانية أن يتضاءل الإنسان، ويتقزّم، وتنكمش قامته، وينكفئ في الجحور الضيقّة كما تنكمش الحشرات، وهي تأوي إلى ثقوبها تحت الأرض، وكما تلجأ الأنعام إلى حظائرها خوفاً من البرد والمطر والزمهرير ..
نداء التوحيد والنبوة هو النداء الوحيد لتحرير الإنسان من مصير كهذا.. وهو الدرب الوحيد لاجتياز المحنة، والانطلاق إلى الأفق العريض المضيء المفتوح، ليس فقط على ساحة العالم، وإنما على مدى الكون كلّه .. وليس وراء ذلك إلاّ الضياع، والحيرة، والضلال.. وليس ثمة طريق ثالث .. أبداً .. إما هذا أو ذاك ..
يعجز القلم عن ملاحقة الايماضات التي تشع بها آيات سورة الأعراف تلك .. عن التعبير عن العالم الجميل السعيد المتوافق المضيء الذي ترسمه وتومئ إليه .. وعن نقيضه البشع .. الشقي .. الممزق .. المعتم الذي تحذّر من الاندفاع إليه ..