يتناول الدرس التعرض لظاهرة غريبة وهي تطفل من ليس بأهل للعلم والمعرفة واقتحامه العلوم الشرعية دون ضوابط وقواعد صحيحة ةتأهل ثم بين جملة من هذه القواعد ومنها أن يفهم على ضوء النصوص الأخرى، معرفة اللغة، فهم مقاصد الشريعة.
الحمد لله, والصلاة والسلام على نبينا محمد, وآله وصحبه وسلم, أما بعد ,,, ففي الماضي والحاضر: كل من جهل شيئًا أنكره ، وسخر ممن يعلمه! وهذه القاعدة تصدق في مجال الشرعيات ، فكثيرًا ما ينكر الإنسان شيئا لعدم إطلاعه عليه ، أو معرفته بدليله, وكم كنا نسخر في طفولتنا ممن يصلي في نعليه, ونعلل ذلك بأنه يخاف من سرقتها، فإذا بنا نجد أنها سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فعن أنس أنه سئل: أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: [ نَعَمْ] رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والدارمي وأحمد.
وكما في حديث أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم قال: [ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا] رواه أبوداود وأحمد والدارمي.إنه مجرد مثال في قضية جزئية يمكن أن يعمم في قضايا كثيرة وكلية, وأذكر أن بعض العلماء كان يقول:' ما كان بالكوفة أفحش رداًّ للآثار من النخعي؛ لقلة ما سمع منها ، ولا أكثر اتباعا لها من الشعبي؛ لكثرة ما سمع '!
إن كثرة معاناة المتخصص لتخصصه تعطيه قدرة أكثر على التمييز والترجيح والتصحيح .. وكم هو مؤسف أن كثيرًا ممن يتحدثون في القضايا الإسلامية العامة لم يُصهروا في جوٍّ علمي شرعي أصيل ، كثيرون تلقوا ثقافة إسلامية عامة فحسب … والمشكلة ليس أنهم يتحدثون كغيرهم فقط ، بل الأدهى من ذلك أن يكون من بينهم من يختط لنفسه أن يكون: مجدداًّ, و مبدعًا, فيعرض بعض الشبهات التي يتلقاها صغار الطلبة, ويدرسون الرد عليها على أنها حقائق عقلية مسلمة ، ويبني عليها تصورات علمية خاطئة .
إن مصيبة الإسلام كبيرة بهذا النمط من التفكير ... أمامنا قضية أولية مسلمة لابد من الإذعان لها في بداية الطريق ، وهي تتمثل في أن الدين وحي إلهي لا يمكن إدراكه بالعقل , ولو كان العقل يستطيع أن يصل بالإنسان إلى الحقيقة الشرعية؛ لما كان لبعثة الرسل, و إنزال الكتب فائدة تذكر . ودور العقل بعد نزول الوحي هو الإيمان به و فهمه و تطبيقه .. ثم الانطلاق في المجالات الدنيوية لاكتشاف المجهول, و عمارة الأرض باسم الله, ومن هنا يمكن القول بأن أول ضوابط التصحيح و الترجيح في المسائل الشرعية الكلية, والجزئية يتعلق بـ ' النص ' , سواء في إثبات النص , أو في إثبات دلالته على المقصود .
فإثبات النص يتطلب معرفة بعلم الحديث رواية و دراية, و ضمن هذا الإطار تندرج مجموعة من العلوم المتكاملة: الرجال والتاريخ و المصطلح والعلل و الأسانيد والتخريج ... و من خلال التعامل مع مجموعة هذه العلوم يتمكن الباحث من الحكم على النص النبوي بالثبوت أو عدمه .
أما النص القرآني فهو بطبيعة الحال غير محتاج إلى هذه المرحلة باعتبار قطعيته التي ليست موضع جدل عند أحد من المسلمين, ثم تأتي المرحلة الأخرى و هي دراسة مدى دلالة النص الثابت على هذه المسألة أو تلك ...إن من النصوص - قرآنًا وسنة - ما يكون قطعي الدلالة لا يحتمل إلا معنى واحدًا , ومنها ما يكون محتملًا , ودلالته على المسألة دلالة ظنية غير قاطعة .
و قد بُلِيَ العلم الشرعي - بكل أسف - بمتطفلين يصدرون عن هوى كامن في أعماقهم قد أشربوه ، فيفسرون النص وفق مفاهيمهم الخاصة, وربما كانوا ذوي عجمة ليس لهم ذوق صحيح, ولا معرفة بلغة العرب, فيهجمون حتى على القطعي من النصوص بصورة غريبة, و في الكتابات الإسلامية المعاصرة من ذلك حمل بعير , و أنا به زعيم !
ضوابط للفهم الصحيح: فلابد من ضبط الفهم المأخوذ من النص إذًا بضوابط تمنع أن يكون العلم الشرعي كلأ مباحًا لكل من دب ودرج:
1-أن يفهم على ضوء النصوص الأخرى: فلا نفتعل بين النصوص ' خصومة ' وهمية , بل نجمع النصوص و نؤلف بينها, و نضع كل نص في موضعه الصحيح,أحدها خاص والآخر عام , و هذا متقدم و ذاك متأخر , و هذا على حال و غيره ينزل على حال أخرى , و هذا مطلق بينما الآخر مقيد, و بذلك تظهر أهمية معرفة الأصول الفقهية التي تستفاد على ضوءها الأحكام الشرعية, والتي دونها العلماء بدءًا من ' رسالة ' الشافعي , ومرورا بمئات الكتب, و الدراسات المتنوعة التي هي نوع من الاستقراء الدقيق الضابط لطرائق استخراج الحكم من النص .
2-معرفة اللغة: و إلى هذا و ذاك فإن ' اللغة ' هي الجسر الذي يعبر منه المتفقه إلى دلالة النص , سواء بفهم مفرداتها, أو قواعدها, و أوجه دلالتها, وقديمًا جنت العجمة على أقوام, فقادتهم إلى مفاهيم غريبة يأباها الحس العربي ولو كان من أمي .