د. أحمد مجذوب أحمد*
مقدمة
أـ استهلال:
الحمد لله رب العالمين معين من استعان به وناصر من استنصر به، المعبود في كل مكان والمذكور على كل لسان، الآمر بالإنفاق مما استخلف فيه العباد، وأفاء عليهم به من خزائن رحمته. شرع الصدقات وجعلها من أبواب القربات حتى تتحرر بها النفوس من الركون إلى الدنيا وتتعلق بالمعاني السامية.
والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد البشر أجمعين، الهادي إلى الحق والمرشد إلى الطريق المستقيم، الدال على البر والآمر بفعل الخير. زهد في الدنيا ولم يتعلق بها فمات ودرعه مرهون عند يهودي. تأسى به صحابته فسلكوا طريقه والتزموا هديه وخرجوا عن بعض أموالهم تقربًا إلى الله تعالى، وإسهامًا في حل مشاكل مجتمعهم، فما من صحابي إلاّ وكان له وقف تجري عليه حسناته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ملتزمين في كل ذلك سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث كان هو أول من وقف الأموال وحبسها في شأن المسلمين ومصالحهم العامة.
أصلي عليه وعلى أصحابه صلاة دائمة تامة، وأدعو الله أن يكتب لنا السداد والهداية والرشاد فعليه التوكل وإليه الإنابة.
ب ـــ مدخل:
في هذه الصفحات تجد أيها القارئ الكريم بعض القضايا والأفكار، طرحتها في هذه الندوة، علها تجد من العلماء الأجلاء والباحثين الكرام وأهل الخبرة وطلبة العلم نقاشًا واسعًا مستفيضًا يرتقي بما جاء بها من أفكار ويعالج ما حوته من موضوعات حتى يتضح مجملها ويبين مشكلها وتتكامل رؤاها وينظم عقدها.
وتجييء هذه المعالجة لهذه الأفكار والقضايا في وقت أصبح فيه الاتجاه العام هو البحث عن وظيفة المجتمع في قيامه بحاجاته معتمدًا على المبادرات الفردية، والمساهمات الطوعية، حتى اتضح هذا الأمر في السودان، خاصة بعد أن التزمت الدولة المنهج الإسلامي في توجهها، وحرصت على أن تبني مؤسساتها على شرع الله والهدي النبوي الشريف، فتحيي ما اندثر منها وترعى ما شب وتمكن ما رشد.
ولما كانت الأوقاف الإسلامية من المؤسسات ذات الشأن الكبير في تاريخ المسلمين، حيث كانت تمثل مصدرًا تمويليًا لعدد من الأنشطة التي تقوم بها الدولة في عصرنا الراهن، رأيت أن أطرح هذه الموضوعات على مائدة البحث لتكون بداية لمزيد من البحث والتدقيق.
وعليه فقد استهللت هذه الورقة بشرح لمفهوم الحاجات العامة في الفكر الرأسمالي، وضوابط هذا المفهوم في الفكر الإسلامي، ومن ثم وضحت مفهوم الأوقاف الإسلامية من حيث قيامه على الأموال المدرة للدخل، وتعلقة بصور متنوعة لنفقات، عامة كانت أو خاصة، وبعد ذلك انتقلت للحديث بشيء من التفصيل عن طبيعة الأموال الموقوفة، حتى تبين معالمها في عالم اقتصاديات المالية العامة. وتمت هذه الورقة بذكر أبواب بعض النفقات التي كانت تمول من إيرادات الأموال الموقوفة، باعتبارها المؤشر الأساسي الذي يؤكد أن مؤسسة الوقف لو وجدت الاهتمام الكافي لقامت بكفاية المجتمع من بعض حاجاته إن لم نقل معظمها. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
2 ـــ تعريف الحاجات العامة:
يعرف مصطلح الحاجات العامة (PUBLIC NEEDS ) بأنها الحاجات الجماعية التي يتولى النشاط العام إشباعها. ويراد بالنشاط العام هنا نشاط الدولة أو القطاع العام. والملاحظ في هذا التعريف أنه قيد الحاجات العامة بالحاجات التي تهم مجموع أفراد المجتمع. وقد عرفها أحد الباحثين بأنها:"تلك الخدمات التي تقوم السلطات العامة بتأدتيها بناءً على قرار سياسي من جانب أفراد المجتمع لحاجتهم إليها، نتيجة للتضامن الاجتماعي، ورغبتهم في التمتع بمظاهر المدنية وتحقيق أعلى مستوى ممكن من الرفاهية الاقتصادية" [3] . واستخدم كذلك بعض الباحثين مصطلح ( الحاجات الاجتماعية ) للتعبير عن ذات المعنى [4] .
وقد وضع الاقتصاديون الذين عالجوا هذا الموضوع وفقًا للتعريف الأول للحاجات العامة عنصرين لتوضيح ذلك المفهوم هما:
• أن تكون عامة أي ليست خاصة .
• أن تتولى الدولة أوإحدى مؤسساتها إشباع هذه الحاجة.
وقد عبر بعض الاقتصاديين بصورة أدق عن الحاجة العامة بكونها التي يتوفر فيها شرطان:
الشرط الأول: ألاّ يكون عليها تنافس سوقي، أي أن تكون من السلع التي لا يقدمها القطاع الخاص لعدم وجود تنافس عليها بسبب أن إضافة أي مستهلك جديد لاستهلاك السلعة لا تزيد تكاليف الإتناج ولا تقلل من استهلاك الآخرين لها، فالمنطق الاقتصادي يقضي بأن يكون سعر استهلاك السلعة للمستهلك الجديد مساويًا للنفقة الحدية الناتجة من استهلاكه، ويلاحظ أن النفقة الحدية بالنسبة لهذا المستهلك تساوي صفرًا، وعليه ينبغي ، أن يكون سعر استهلاكها مساويًا لنفقتها، أي ينبغي أن تقدم مجانًا لهذه المستهلك. ولا توجد جهة يمكن أن تقدم هذه الخدمات بالمجان وعلى سبيل الإلتزام سوى الدولة بحكم مسئوليتها عن رعايتها وقوامتها على شئون المجتمع .