فهرس الكتاب

الصفحة 25466 من 27345

محمد أحمد إسماعيل

زعم بعض الناس أن العقيدة لم يعرفها الإنسان على ما هي عليه مرة واحدة، وإنما ترقت وتطورت خلال قرون سحيقة أطلقوا عليها"عصور ما قبل التاريخ"،"والعصور الحجرية"حيث لم يعرف الإنسان البدائي في زعمهم له ربًا ولا معبودا ً، ثم نشأت لديه عاطفة التدين لما رأى الحيوانات تخشى القوى الخفية، وتخاف البرق والرعد، فظل يبحث عن معبود يشعر نحوه بالولاء والتقديس مهما كانت صورة هذا المعبود الذي يتوجه إليه بالحب والرهبة، فالتمسه في الشمس والقمر والكواكب، حتى في الأشجار والحيوانات، وقد تطور من وثنية إلى وثنية إلى أن اكتشف التوحيد من تلقاء نفسه، أي أن الدين في زعم هؤلاء هو نتاج العقل البشري واختراعه.

ويفهم من هذه المزاعم:

أولًا: أن الإنسان الأول كان أقرب إلى الحيوان، وأنه خُلق خلقًا ناقصًا غير مؤهل لأن يتلقى الحقائق العظمى كاملة، وأنه طبقًا للنظرية الداروينية الفاشلة كائن تطور عن غيره، وعليه فليس لتكليف هذا الإنسان ولا لاستخلافه في الأرض معنى.

ثانيًا: أنه كان مشركًا بطبيعته، والأصل في فطرته النزوع إلى الشرك والوثنية، وبناء على ذلك: زعموا أن الأصل في عقيدة البشر العقيدة الفاسدة، ثم طرأ التوحيد عليها، حيث أن الدين الداعي إلى التوحيد جاء متأخرًا عن وجود الإنسان على ظهر الأرض في زعمهم.

ثالثًا: أنه سعى بجهده وعقله في البحث عن معبود، وأن أفكاره تطورت ذاتيًا بناء على تجاربه دون توجيه رباني يهديه ويرشده، إلى أن اكتشف الدين بنفسه دون معلم يعلمه، وأنه كما ترقى في العلوم والصناعات، ترقى كذلك في معرفة الله - تعالى -.

رابعًا: أن قرونًا طويلة مرت على البشرية وهي لا تعرف لها ربًا ولا معبودًا، لكن كلما تقدم الزمن ترقت في مفهومها للدين وتطورت، وعليه فإن من جاءوا بعد آدم كانوا على دين أكمل منه، والقرون المتأخرة كانت أقرب للفهم الصحيح من الأمم المتقدمة.

[وتأسيسًا على هذه المزاعم قاموا بمعالجة تواريخ الأمم التي سبقت بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - بما في ذلك تاريخ أوربا على أنه تاريخ وثني جاهلي محض، لا أثر فيه لوجود الله، ولا لدين هو الإسلام طلب الله من البشرية أن تعتنقه، ولا لنظام ولا لشرع رباني طلب الله من بني آدم أن يخضعوا حياتهم له، ولا وجود لرسل أرسلوا من قِبَل الله - عز وجل -، يطلبون من الناس عبادة الله وحده بدون شريك، أي انتفاء التكليف الرباني لبني البشر.

والنموذج لذلك، يتضح لنا، من كيفية معالجة المستشرقين لتاريخ مصر والعراق وبلاد الشام والجزيرة العربية منذ أقدم الدهور، والتي أسقطت تمامًا أي دعوة إلى الإسلام حملها رسل الله في حياة الأمم التي سكنت تلك البلاد، وبهذا أصبحت جميع الأمم بلا استثناء تنظر إلى هذه الفترة من تاريخها على أنها خُلِقَت وتُرِكت هملًا، فلم تكن تعرف لها ربًا، ولا ترتضى لنفسها دينًا، ليس هذا فحسب، بل راحوا يرددون أن الأصل في عقيدة أهل تلك الأقطار: الوثنية؛ وأنهم تطوروا في وثنيتهم من التعدد إلى التثنية إلى التوحيد، وأن أول الموحدين في مصر من تلقاء نفسه في التاريخ هو الفرعون أخناتون"أمنحتب الرابع"الذي كان يعبد القوى الكامنة وراء إله الشمس آتون، وأن عبادته هي الحقيقة والدين الصحيح، وأن فكرته قد انتقلت إلى بلاد العراق حيث أقام إبراهيم دينه، أي أن إبراهيم هو مؤسس الإسلام أي أنه ليس وحيًا من عند الله!!!

وتأكيدًا لهذه المزاعم، حرص علماء الآثار من المستشرقين على طمس أي قرينة أثرية أو ملامح تاريخية تؤكد أن الله - سبحانه وتعالى- فطر البشرية على الإسلام، وارتضاه لها دينًا، وبه بعث الرسل، وعندما تظهر قرينة رغمًا عنهم تؤكد أصالة خط توحيد الله في حياة البشر راحوا يعزونها إلى تطور الفكر البشري، فهم يزعمون أن الإنسان قد تطور في معتقده كما تطور في صناعته.

وأصحاب منطلق التجاهل والتجهيل بالإسلام لا يستندون إلى دليل سوى الجهل، والجهل لا يصلح أن يكون دليلًا] . ا هـ [انظر.. الإسلام دين الله في الأرض وفي السماء"للدكتور جمال عبد الهادي، - حفظه الله -، ص (26) ] "

وفيما يلي، نلقي هذه النظرة على:

مسالك الباحثين عن نشأة التدين في الوجود

يقول الدكتور أحمد بن ناصر الحمد - حفظه الله:"إن الطريق الذي يسلكه جمهور الباحثين للوصول إلى هذا المطلب هو التنقيب عن أديان الأمم القديمة، أو أديان الأمم المعاصرة غير المتحضرة، ويعتبر هؤلاء نهاية ما يعلمونه في القدم من أديان البشر؛ وما عليه الأمم الأشد تخلفًا من ممارسات دينية صورة مطابقة لما كان عليه الإنسان الأول!"

ومصادر هؤلاء في إثبات آرائهم بالنسبة للأديان القديمة النقوش والرمم التي يستوحون منها ما يزعمونه قطعيًا، ولما كانت تلك مصادرهم، اختلفت آراؤهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت