فذهب فريق، إلى أن الدين بدأ بصورة الخرافة، وأن الإنسان أخذ يترقى في دينه على مدى الأجيال حتى وصل إلى الكمال فيه بالتوحيد، كما تدرج في علومه وصناعاته، حتى زعم بعضهم أن عقيدة
"الإله الأحد"عقيدة حديثة، وليدة عقلية خاصة بالجنس السامي، ونادى بهذه النظرية أنصار المذهب التطوري، الذي ساد في أوروبا في القرن التاسع عشر في أكثر من فرع من فروع العلم.
وذهب فريق آخر إلى القول: بفطرية التوحيد وأصالته، وأثبتوا أن عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة ظهرت في البشرية.
وقد رد أنصار هذا المذهب على القائلين بالمذهب التطوري مع أن مسالكهما في الوصول إلى تحديد بداية الدين واحدة، وهي دراسة الشعوب المتأخرة والأمم الغابرة.
وبالنظر إلى مسالك القوم في إثبات العقيدة الدينية، يتبين خطؤها، من حيث الغاية والوسيلة، يقول الدكتور محمد عبد الله دراز - رحمه الله:"أما من حيث الغاية التي يهدف إليها البحث، وهي تحديد الأصل الأصيل للعقيدة والمظهر التي ظهرت به في أول الأزمنة بإطلاق، فلأن هذه المنطقة"
"البدائية المحضة"قد اعتبرها العلم شُقّةً حرامًا حظرها على نفسه، وأعلن بصراحة خروجها عن حدود عمله … ومؤرخو الديانات على الخصوص معترفون، بأن الآثار الخاصة بديانة العصر الحجري وما قبله لا تزال مجهولة لنا جهلًا تامًا، فلا سبيل للخوض فيها إلا بضرب من التكهن والرجم بالغيب.
وأما من حيث المنهج، وهو الاستدلال على ديانة الإنسانية الأولى بديانة الأمم المنعزلة المتخلفة عن ركب المدنية، فلأنه مبني على افتراض أن هذه الأمم كانت منذ بدايتها على الحالة التي وصل إليها بحثنا، وأنها لم تمر بها أدوار متقلبة، وهو افتراض لم يقم عليه دليل، بل الذي أثبته التاريخ، واتفق عليه المنقبون عن آثار القرون الماضية، هو أن فترات الركود والتقهقر التي سبقت مدنياتها الحاضرة، كانت مسبوقة بمدنيات مزدهرة، وأن هذه المدنيات قامت بدورها على أنقاض مدنيات بائدة قريبة، أو بعيدة، في أدوار تتعاقب على البشرية.. فمن العسير أن نحكم بصفة قاطعة أن الخرافات القديمة، بداية ديانات، كما يمكن أن يكون تحللًا، وتحريفًا لديانة صحيحة سابقة مزقت أهلها الحروب، أو أفسدتهم المؤثرات الاجتماعية، فقلت عنايتهم بأصول دينهم فضاع، وبقى تعلقهم بأشياء منه محرفة، أو مغلوطة، بهذا يظهر مبلغ ثبات الفرض الذي بنيت عليه البحوث الحديثة كلها، وأنها أُسست على جُرُفٍ هارِ لا تطمئن عليه الأقدام"ا هـ."
ومما يوضح بطلان هذه الطريقة التي سلكها أصحاب المذهبين للوصول إلى معرفة هذا الأمر المهم بالنسبة للبشرية، أن القدر الذي عرف من تاريخ البشرية وبين عصر نشأتها لا تزال الثغرة فيه واسعة لم تُسَدَّ، ولن تُسَدَّ، إذا لم يقل أحد:"إن الوقائع المفقودة الوثائق يمكن إثباتها على وجه قاطع بمثل هذا الضرب من التخمين اعتمادًا على مجرد حسن المقابلة، وجمال التناسق بينها، وبين الوقائع المعروفة"، دون تثبت من حصول التشابه بين تلك العصور، حتى يتم القياس على وجه صحيح ودقيق.
وأما الاستدلال بالآثار من النقوش، أو الحفريات، ثم استنطاق الرمم فأمر يحتاج إلى كثير من التأمل، وكل من كان له قلب يدرك مدى اختلاف تفسيرات الناس للأشياء المعينة المشاهدة في وقت واحد، فكيف الحال بتفسيرات المتأخرين بقرون طويلة لأحوال أولئك المتقدمين وأعمالهم؟ كما أن تعبيرات الناس عن الصور الحية متباينة كل التباين، فكيف هي عنها بعد أن رَمّتْ؟!
هذا فيما يتعلق بمستند الرأيين على حد سواء، ويزيد المذهب التطوري في كونه مبنيًا على افتراض آخر، وهو: أن الملكات والأحاسيس الروحية كالقوى البدنية، والمكتسبات العقلية، والتجريبية، فكما أن الإنسان ينتقل في نموه البدني من الضعف إلى القوة، وفي نموه العقلي من الجهالة إلى المعرفة، قد يلوح أنه بدأ حياته الروحية بالسخف والخرافة، ولم يصل إلى العقيدة السليمة إلا بعد جهد وعناء.
وقد انتُقِد هذا القياس، بأن المشاهد من حياة الناس الروحية، عدم التوافق في كل أدوارها جنبًا إلى جنب مع حياتهم المادية، بل إنهما يسيران في طريقين متعارضين ككفتي الميزان لا ترتفع إحداهما إلا انخفضت الأخرى، وقليل من التأمل يهدي إلى أن محاولة قياس الأديان على الفنون والصناعات إنما هو محاولة للجمع بين أمرين لا تؤلف بينهما حقيقة نوعية مشتركة، بل تتباين طبائعهما ووسائلهما، ولقد كان مقتضى الوضع السليم في تعرف ما كانت عليه بداية الأديان فيما قبل التاريخ أن نسترشد في مقارنتها بسير الديانات المعروفة منذ طفولة التاريخ إلى اليوم، فالمعروف بالاستقراء: أن كل واحدة من هذه الديانات بدأت بعقيدة التوحيد النقية، ثم خالطتها الشوائب، والأباطيل مع تقادم زمنها، فالأشبه أن تكون هذه سنة التطور في الديانات كلها.