فهرس الكتاب

الصفحة 14451 من 27345

أ. د. إبراهيم أبراش

لا غرو بأن الحكومة الفلسطينية الراهنة حكومة جديدة بما تعنيه الكلمة ، فمنذ اثني عشر سنة ، كانت كل الحكومات السابقة من نفس النخبة السياسية و ذات الوجوه تقريبًا ، الانتخابات حضرت للتشريعي و للحكومة حركة حماس وهذا يُعد انقلابًا حقيقيًا . انقلاب حقيقي ، في الوجوه وفي البرامج والمرجعيات ، ولكن بأدوات تنسب للممارسة الديمقراطية ، ولأنها حكومة جديدة في كل شيء حتى الآن ، فأمر استيعابها من النخبة السياسية ومن الأطراف الإقليمية والدولية يحتاج لوقت ، وأمر تكيّفها مع هذه الأطراف تحتاج لوقت أيضًا ، إن حدث التكيُّف .

القول بأنها حكومة جديدة لا يتضمن حكم قيمة سلبي أو إيجابي بل هو تشخيص ووصف لواقع أهم ملامحه محاولات الحصار والتضييق على الشعب الفلسطيني بكل السبل ، والشلل الذي أصاب مجمل النظام السياسي الفلسطيني بسبب ذلك ، فلم يحدث في تاريخ الانتخابات الديمقراطية الحقيقية أن تعرض شعب للحصار لأنه مارس حقًا ديمقراطيًا وفي فترة قياسية جد قصيرة ، شهر تقريبًا ،هذا الأمر يدفعنا لقراءة متأنية لما يجري ولا يمكن فهم ما يجري إلا بالرجوع إلى الملابسات الأولى لبداية ما أُطلق عليه المسلسل الديمقراطي والذي تُوج بما سُمي بالعرس الفلسطيني . المتمعن بما يجرى بعقلية عميقة تتجاوز لغة الشعارات والعواطف يجد نفسه أمام رزمة من التساؤلات مثلًا: هل بالفعل نعيش مرحلة انتقال ديمقراطي ؟ وهل خطاب الديمقراطية في الساحة الفلسطينية خطاب برئ ؟ وهل الحكومة الحمساوية هي المحاصرة أم الشعب وما أقام من مؤسسات في عهد الحكومات السابق ؟ وما هي إستراتيجية هذه الحكومة إن كان لها إستراتيجية ؟ والأهم من ذلك هل يريد المحاصرون للشعب إسقاط الحكومة الفلسطينية بالفعل ؟

أولًا: هل اللجوء للانتخابات كان أمرًا محتومًا ؟

لا نريد تكرار ما سبق وان أكدنا عليه من أننا لسنا ضد الديمقراطية من حيث المبدأ ، وأن حركة حماس هي فصيل فلسطيني فاعل واكتسب ثقة ناخبيه ، كما أننا دوما نؤكد على أن النظام السياسي الفلسطيني منذ نشأته الأولى مع منظمة التحرير وهو يعيش مأزقًا متعدد الأسباب والتجليات ، ومع وجود السلطة تعمق هذا المأزق ، مما كان وما زال يتطلب عملية إصلاح شاملة لهذا النظام ، إصلاح لنهج وسياسات المجال السياسي لحركة تحرر وطني أكثر مما هو إصلاح سلطة دولة، وآليات إصلاح نظام حركة تحرر تختلف عن آليات إصلاح سلطة دولة مستقلة . أيضًا يجب التذكير بأن خطاب الإصلاح كان خطابًا فلسطينيًا قبل أن تصادره الولايات المتحدة والأوروبيون ليجعلوه خطابًا خارجيًا ، ذلك أن فشل القوى السياسية الفلسطينية بالتوصل لآليات إصلاح المجال السياسي لحركة التحرر الفلسطيني على أسس وطنية وبأدوات وطنية منح القوى الخارجية فرصة لركوب موجة الإصلاح الفلسطينية أساسًا ليوجهوها لخدمة أغراضهم وهي غير بريئة بالتأكيد ، حيث انصبّت آليات الإصلاح على بعض مؤسسات السلطة بما يجعلها حالة نقيض وبديل لحركة التحرر وبما يجعلها في حالة غربة عن الشعب .

كنا نتمنى لو نجحت دعوات الإصلاح وجلسات الحوار المتعددة بالتوصل لقيادة وحدة وطنية تضع إستراتيجية عمل وطني وثوابت وطنية يتم الاتفاق والاختلاف فيها لا عليها قبل دخول متاهة الانتخابات الموجهة خارجيًا ، ولكن وللأسف فشلت كل جولات الحوار ، ليس فقط لأن القوى الخارجية تريد إفشال الحوار بل لأن هذه القوى وجدت أدوات داخلية تُسهل عليها المهمة ، وكانت تعمل على إفشال الحوار عن دراية وسبق إصرار أو جهل وسوء تقدير . فشل المتحاورون بالتوصل لمرجعيات حيث كان الوطن والمصلحة الوطنية هو المبتغى والهدف يشكك بإمكانية نجاحهم في التوصل لإتفاق عندما تصبح السلطة والسلطة فقط هي المبتغى والهدف . هذا لا يعني التبشير بفشل الحوار بل التأكيد بأنه كلما مر الوقت دون التوصل لتفاهم على مرجعيات وثوابت كلما تعقدت وصعبت عملية الحوار .

ثانيًا: لماذا الإصرار الأمريكي على إجراء انتخابات ؟

ولنكن صريحين ودون مكابرة ، فإن العملية الانتخابية وما يسمى بالمسلسل الديمقراطي لم يكونا تعبيرًا عن نضج الوعي الديمقراطي أو عن قناعة راسخة بالديمقراطية لا عند حركة فتح التي كانت تمسك السلطة ولا عند حركة حماس التي كانت تتطلع للسلطة . الانتخابات فُرِضَت كجزء من استحقاقات التسوية ، ولأن الحكومات السابقة كانت مأزومة ليس فقط بالفساد الذي ينخرها ، بل بالإعاقات التي وضعتها في وجهها إسرائيل ، وحتى أمريكا ، فلم تكن تستطيع معارضة المطلب الأمريكي والأوروبي بإجراء الانتخابات ، ولأن حركة حماس كانت مأزومة بتآكل شرعيتها الجهادية وبمحاصرتها خارجيًا ، فقد تمسك الطرفان بالانتخابات وتزينوا بزي الديمقراطية ، وهم في داخلهم يدركون الحقيقة بأن ما يجري هو مخطط خارجي لا علاقة له بالديمقراطية الحقيقية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت