فهرس الكتاب

الصفحة 14452 من 27345

وهنا يجب التمييز ما بين السلطة والحكومة ؛ في الوضع الطبيعي يفترض عدم وجود تعارض ما بين السلطة والحكومة باعتبار أن الحكومة هي الأداة التنفيذية للسلطة ، في الحالة الفلسطينية الوضع ملف وقد بان التباين بين الحكومة والسلطة في ظل الحكومة الحالية . في الحالة الفلسطينية، أي في ظل السلطة التي أوجدتها اتفاقية أوسلو، السلطة ليست مشروعًا وطنيًا خالصًا بالرغم من صدور قرار تأسيسها من المجلس المركزي لمنظمة التحرير ، بل هي مشروع فلسطيني و أمريكي و أوروبي وإسرائيلي ، أو بشكل أخر هي مشروع دولي ، ونجاح التسوية مرتهن بوجود السلطة ، ومن هنا يكون وجود السلطة ضرورة لمن يريد الحفاظ على نهج التسوية كحالة بديلة عن نهج المقاومة المسلحة ، وهذا لا يعني التشكيك بالسلطة والقول بأنها تخدم مصالح خارجية ، بل ما نريد قوله هو أن السلطة جواد رهان لمن يريد المراهنة على التسوية ، والشاطر من يحسن ركوب هذا الجواد ، فيما الحكومة نتاج وطني أو الفارس الذي يراهن عليه الشعب حتى يمكن توجيه مسار التسوية بالشكل الذي يخدم حقوقنا المشروعة ، و أمريكا والخارج يدعمونه بقدر ما يخدم تصورهم للتسوية والسلطة وليس بقدر ما يخدم المشروع الوطني ، وهذا يعني بأن وجود السلطة ليس بالضرورة دومًا يخدم المصلحة الوطنية.

الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها لم يكونوا حريصين بأن نكون ديمقراطيين ولا يريدون بالانتخابات تهييء الأمور للعودة لنهج السلام ، أمريكا ، كما هو الحال مع إسرائيل ، خرجوا عن سكة التسوية السلمية منذ مقتل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين ، وبالتالي فإن حديثهم عن الإصلاح والانتخابات وسعيهم لذلك إنما بهدف استمرار سلطة فلسطينية تنوب عن سلطة الاحتلال وتتعايش مع حالة من « ألا سلم وألا حرب » ، وحالة السلطة قبل الانتخابات وصلت لدرجة من التردي والخطورة بحيث باتت مهددة بالانهيار وانفلات الأمور من تحت الضبط ، فكان لا بد من تحديث أو تغيير في السلطة ولو على حساب حكومة فتح الشريك في تأسيس السلطة . أيضًا شعرت الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها من عرب وعجم بأن حركة حماس في الوقت الذي تتزايد شعبيتها فإنها أيضًا تعيش حالة من انسداد الأفق واليأس الذي قد يدفعها لقلب الطاولة وتخريب حالة ألا سلم وألا حرب وذلك بتدمير مشروع السلطة ، فكانت الانتخابات هي الحل الذي ينقذ السلطة ويستدرج حماس لتصبح جزءًا من السلطة . وجود حماس داخل النظام يجعلها أكثر خضوعًا للابتزاز ، وهنا حدث تقاطع بين أهداف متعارضة أصلًا ، والشعب العادي ساير الانتخابات لأنه يريد الانتخابات ليقضي على الركود وحالة العجز الذي وصلت إليه الحكومات السابقة وليقيم سلطة قادرة على استكمال المشروع الوطني على قاعدة التسوية العادلة ، لأنه لا يمكن لسلطة عاجزة داخليًا أن تكون قوية على طاولة المفاوضات ، والأمريكيون والإسرائيليون أرادوا الانتخابات ووصول حماس لمحاصرتها ولإدخال الساحة الفلسطينية في صراعات داخلية تبعدها عن الهدف الحقيقي لوجودها كفصائل حركة تحرر ضد الاستعمار .

ولكن هل دخول حركة حماس للسلطة أخرج النظام السياسي من مأزقه ؟ وهل تملك حركة حماس إستراتيجية سلام تمكّن من كسر حالة ألا سلم بسلام حقيقي ، أو إستراتيجية حرب تكسر حالة ألا حرب بحرب حقيقية تقضي فيها على إسرائيل كما يطرح ميثاقها ؟

ثالثًا: ماذا تريد حماس والحكومة الراهنة ؟

إن كانت حركة حماس لا تريد الاعتراف بإسرائيل ، ولا بالاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير مع إسرائيل ، ولا بالمبادرة العربية ، ولا بقرارات الشرعية الدولية... فلماذا دخلت الانتخابات أصلًا وهي تعرف أنها انتخابات سلطة حكم ذاتي مرجعيتها اتفاقات أوسلو ؟ وماذا تريد من خلال وجودها بالسلطة ؟ الجواب الذي يتبادر للذهن مباشرة هو أنها تريد عكس ذلك أي عدم الاعتراف بإسرائيل ، ومواصلة نهج المقاومة المسلحة ، والتمسك بالشرعية الدينية والتاريخية . ولكن كيف نوفق بين ذلك وبين التزام حركة حماس بالتهدئة لأكثر من عام ؟ وكيف يستقيم ذلك من دعوة حماس لهدنة طويلة المدى ؟ وكيف يستقيم ذلك وإسرائيل تسمح لقادة حماس بالتنقل العلني داخل الوطن وخارجه ، وعقد لقاءات وندوات داخل الوطن وخارجه ؟ أيضًا ، السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما يجري اليوم قد فاجأ حركة حماس وبالتالي وقَعت في مصيدة أُعدت لها ؟ أم كان أمرًا متوقعًا ، وبالتالي فهي تعرف ما تريد وليست منزعجة مما يجري ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت