التوكل على الله: فضله و أهميته
إعداد:خالد بن عبد الرحمن الشايع
الحمد لله رب العالمين, و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله وصحبه و التابعين. أما بعد:
*فإن للتوكل على الله تعالى منزلة عظيمة في الإسلام, يلحظها من تأمل النصوص الواردة فيه, و كل عبد مضطر إليه, لا يستغني عنه طرفة عين, كما أنه من أعظم العبادات من جهة توثق صلته بتوحيد الرب سبحانه، يقول تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} (الفرقان58) . و في هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه و سلم ـ أن يتوكل عليه ـ سبحانه و تعالى ـ ، و ألا يركن إلا إليه، لأنه الحي الذي لا يموت، و هو القوي القادر سبحانه و تعالى ، و من يتوكل عليه جل و علا فهو حسبه, أي كافيه و مؤيده و ناصره, و من توكل على غير الله , فإنما يتوكل على من يموت و يفنى, و الضعف و العجز يعتوره من كل جهة, و لأجل ذلك فالمتوكل عليه يضيع و يزيغ, و كل من اعتمد على غير الله فقد ضل سعيه.
* فدل ذلك على فضل التوكل على الله ـ جل و علا ـ و تعليق القلب به سبحانه.
* و التوكل معناه: صدق اعتماد القلب على الله ـ عز و جل ـ في استجلاب المصالح و دفع المضار, من أمور الدنيا و الآخرة كلها, و أن يكل العبد أموره كلها إلى الله ـ جل و علا ـ , و أن يحقق إيمانه بأنه لا يعطي و لا يمنع و لا يضر و لا ينفع سواه عز و جل.
* و قد حض الله عباده المؤمنين على التوكل في مواضيع عديدة من الكتاب العزيز، و بين سبحانه ثمراته و فائدته:
و من ذلك قوله سبحانه: {و على الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} (المائدة:23) ، و قوله عز و جل: {و على الله فليتوكل المؤمنون} (التوبة:51) ، و قوله تعالى: { و من يتوكل على الله فهو حسبه} (الطلاق:3) ، وقوله جل و علا: { فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} (آل عمران:159) ، و قال سبحانه و تعالى واصفًا عباده المؤمنين في معرض الثناء و المدح: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم و إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا و على ربهم يتوكلون} (الأنفال:2) و في السنة المطهرة تكاثرت النصوص الموضحة لأهمية التوكل و الحض عليه, و من ذلك ما رواه الإمام أحمد و الترمذي و النسائي و ابن ماجة عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ:
"لو أنكم توكلون على الله حق توكله , لرزقكم كما يرزق الطير, تغدو خماصًا, و تعود بطانًا."
قال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ: هذا الحديث أصل في التوكل, و أنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق, قال الله ـ عز و جل ـ: { و من يتق الله يجعل له مخرجًا (2) و يرزقه من حيث لا يحتسب و من يتوكل على الله فهو حسبه (3) } (الطلاق:2و3)
و دل حديث عمر المذكور على أن الناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل, و وقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم, و مساكنتهم لها, فلذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب, و يجتهدون فيها غاية الاجتهاد , و لا يأتيهم إلا ما قدر لهم, فلو حققوا التوكل على الله بقلوبهم لساق إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب, كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو و الرواح, و هو نوع من الطلب و السعي, لكنه سعي يسير. و هذا ما يشير إليه قوله ـ صلى الله عليه و سلم ـ:"لرزقكم كما يرزق الطير....", و معناها أنها تذهب أول النهار خماصًا, أي ضامرة البطون من الجوع, و تتجه إلى غير وجهة محددة, تطير و تبحث و تسعى, ثم ترجع آخر النهار بطانًا, أي ممتلئة البطون.
و صح عن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ فيما رواه عنه جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال:"إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها, فاتقوا الله و أجملوا في الطلب, خذوا ما حل و دعوا ما حرّم." (رواه ابن ماجة و الحاكم و ابن الحبان) .
ومما ينبه إليه هنا أن ضعف التوكل لدى الإنسان إنما ينتج عن ضعف الإيمان بالقضاء و القدر , و ذلك لأن من وكل أموره إلى الله و رضي بما يقضيه له و يختاره , فقد حقق التوكل عليه , و أما من وكل أموره لغير الله , و تعلق قلبه به، فهو مخذول غافل عن ربه ـ جل و علا ـ .
روى ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ أنه قال:"من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته, و من أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى..."الحديث رواه أبو داود و غيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:"و ما رجا أحد مخلوقًا و لا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه, فإنه مشرك, قال تعالى: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } (الحج:31) ".
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله:"التوكل قسمان:"
*أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله , كالذين يتوكلون على الأموات و الطواغيت في رجاء مطالبهم ، من نصر أو حفظ رزق أو شفاعة, فهذا شرك أكبر.