فهرس الكتاب

الصفحة 20440 من 27345

قدر ميل

الحمد لله ، خالق الدجى ، وفالق الإصباح ، ومنزل الكتاب نورا يهدي إلى الفلاح . أحمده سبحانه ، عز فارتفع ، وفرق وجمع ، ووصل وقطع ، وحرم وأباح . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، منع ومنح ، وذم ومدح ، ملك فقدر ، وطوى ونشر ، فهو الرقيب على خلقه في غدوهم والرواح . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، النبي المجاهد ، الراكع الساجد ، مع علمه بمغفرة ذنوبه ، عمر أوقاته يستغفر الله في المساء والصباح . صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، ما تغير فصل ، وما بقي عقل ، يعمل بجد ، حتى لا يكون عمله هباء تذروه الرياح ، وسلم تسليما . أما بعد ،،، فقد أوصاكم ربكم بتقواه ، فاتقوه ، وأمركم بطاعته ، فأطيعوه ، ونهاكم عن عصيانه ، فلا تعصوه ، وسارعوا إلى مغفرته ، وسابقوا إلى جنته ، فإنكم إليه راجعون ، وبين يديه موقوفون ، فاستعدوا لهذا الموقف ، بكل عمل صالح ينجيكم من هوله ، قبل أن يأتيكم الموت ، فتتحسروا على عمر ضاع منكم فلم تعمروه . أيها المسلمون: لهيب ، وسموم ، يلفح الوجوه ، ويكاد سنا حره أن يحرق الجلود ، فيذكرنا لفح حرارته شمس َ ذلك اليوم الطويل ، وأهوال يوم النشور . هاهي الشمس ترتفع فوق رؤوسنا أكثر من تسعين مليون ميل ، ولهبها يكاد يخنقنا ، ولفح سمومها يكاد يسلخ منا الجلود ، فلا نطيق بقاء تحت سمومها ، ونفر منه إلى غرف مكيفة ، وأماكن مبردة ، نبحث عن الظلال ، ونعرف قيمة الماء البارد العذب الزلال . إنها صورة مصغرة جدا لأحوال ، وأهوال يوم التغابن . نعيشها في الصيف وفي الشتاء ، فشدة القيض لا ترضينا ، كما أن شدة البرد تؤذينا ، فسبحان من من على أهل الجنة بالنعيم في كل حال ، { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } وتأمل كيف تذكروا منة الله ، وكيف استشعروا نعمة الله ، واستمع لهم يتحاورون فقالوا: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ، فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم . عباد الله: قال صلى الله عليه وسلم: تدنى الشمسُ يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل . قال سُليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل ، أمسافة الأرض ، أم الميل الذي تكتحل به العين ؟ قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق ، فمنهم من يكون إلى كعبيه ، ومنهم من يكون إلى ركبتيه ، ومنهم من يكون إلى حقويه ، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما . قال: وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه . أخرجه مسلم من حديث المقداد بن الأسود ، رضي الله عنه . وفي الكتاب العزيز يقول ربنا تبارك وتعالى عن أصحاب الشمال: في سموم وحميم ، وظل من يحموم ، لا بارد ولا كريم . فالسموم ، هو الهواء الحار ، والحميم ، هو الماء الحار ، واليحموم: هو الظل الحار ، ظل الدخان ، فجمع الله على أهل النار جميع أنواع الحرارة ، حرارةَ النار ، وحرارة الظل ، والهواء ، والماء ، فاستمع إلى ندائهم لأهل الجنة: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله . واستمع إلى وصف تلك الاستغاثة ، وبم أغيثوا ، يقول تبارك وتعالى: إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها . والسرادق: هو الحاجز الذي يحيط بالخيمة ، وهو ما يعرف بالرواق ، فهم هنا يشبه النار بالخيمة ، لها سور ، وهذا في العادة لا يكون إلا عند أهل الترف ، ممن يزيد استظلاله ، وتنعمه ، فأثبته هنا زيادة في التهكم به ، وإمعانا في إهانته . وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لسرادق النار أربعة جدر ، كثافة كل جدار مثل مسافة أربعين سنة . أخرجه أحمد والترمذي . وابن جرير في تفسيره . قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: أحاط بهم سرادقها . قال: حائط من نار . قال جل وعلا: وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه . والمهل مثل الدم والقيح ، قد انتهى حره ، فأصبح كالحديد المذاب . قال الضحاك: ماء جهنم أسود . فالمهل أسود منتن غليظ حار ، تشوي حرارته الوجوه ، كلما قربه الكافر ليشرب شواه حتى يسقط جلد وجهه . ووصفه الحبيب صلى الله عليه وسلم فقال: كعكر الزيت ، فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه . أخرجه أحمد والترمذي ، من حديث أبي سعيد رضي الله عنه . وقال جل وعلا في وصف سقيا القوم: ويسقى من ماء صديد ، يتجرعه ولا يكاد يسيغه . فهو يتكرهه ، ولا بد له منه ، فإذا أدناه شوى وجهه ، وإذا شربه قطع أمعاءه ، كما قال جل وعلا: وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم . وقال سبحانه: تسقى من عين آنية . أي بلغت الغاية من شدة الحر . كما في قوله تعالى: يطوفون بينها وبين حميم آن . أي شديد الحرارة . قد بلغ مرحلة النضج والاستواء ، فجمع الله تعالى على أهل الشرك والكفر به وبرسله الحر من كل جهة عليهم ، حتى في بطونهم ، يصب من فوق رؤوسهم الحميم ، يصهر به ما في بطونهم والجلود . وأما الظل فقد قيل لهم: انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ، لا ظليل ولا يغني من اللهب . فليس يفيد فائدة الظل ، ولا يقي حرارة ، بل هو كما جاء في الآية الأخرى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت