فهرس الكتاب

الصفحة 17723 من 27345

بقلم: صبحي درويش

الهجرة ظاهرة كونية وهي إحدى سنن الحياة والصراع من اجل البقاء. وهي قديمة قدم الإنسان علي هذه الأرض ولا يهاجر الإنسان فقط، بل سمك السلمون والنحل والطيور والفراشات.إنها قانون وجودي.إن هجرة البشر وسمك السلمون والنحل والطيور والفراشات كلها تخضع لقوانين مثل الطفو في الفيزياء، والانحلال والتفاعل في الكيمياء،والنسبية في الكون، والكوانتوم في ميكانيكا الكم. فالماء يتحرك حتى يحدث السواء في الارتفاع. وبرادة الحديد تنجذب حول القطب المغناطيسي تحت قانون الاستقطاب. ولكن هجرة الإنسان غير هجرة السمك والنحل والطيور فهي حركة ثقافية.إن الناس لا يهاجرون إلى الصحراء، ولا يهاجرون إلى دول يحكمها الظالمون والمتجبرون، ولا يهاجرون إلى بلدان فقيرة. ولكنهم يهاجرون إلى حيث العمران والخير والغنى، ويهاجرون إلى حيث الأمان والعدل والحرية، فرارا من الظلم والاضطهاد بكل صوره الفكرية والنفسية والسياسية والاقتصادية.وكذلك يهاجر الناس عندما يبتلون بطاعون الحزب الواحد وعندما يعيشون في وطن تحول إلى سفاري تسرح فيها الضواري، ليس فيها أية ضمانة لأي شيء، في أي مكان وزمان ولو لقطة.و يرحل البدو عندما تضن الأرض بخيراتها. وتطير الطيور حيث الحب والدفء.ويفر البشر إلى بلاد الحرية والى مجتمعات ينعم فيها الإنسان بالضمانات من كل لون ضد المرض والشيخوخة والبطالة وينام قرير العين بدون خوف من أباطرة الأمن ورجال المخابرات.ويهاجر الشبان الطموحون للتحصيل المعرفي إلى حيث الإنتاج المعرفي ويلجأ المال حيث الأمان والاستقرار السياسي.يرى الفيلسوف الألماني (ايمانويل كانت) في كتابه (نحو السلام الدائم) أن الهجرات كانت تأريخا للاضطهاد السياسي.فكان الاضطهاد في طرف منه خيرا في انتشار الإنسان في الأرض.فمع كل اضطهاد تنشق مجموعة منه لتعمر بقية الأرض.

وهكذا عمرت الأرض بالإنسان بآلية الألم. ولم يحض القرآن على الهجرة من فراغ. «إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلا» . إن التأمل الكوني مفيد ودراسة التاريخ وفهمه يسعفنا في فهم الحاضر والواقع التاريخي الراهن لكي نخرج من نفق التشاؤم والتفاؤل.وحسب المؤرخ البريطاني الحجة (توينبي) في كتابه (مختصر دراسة التاريخ) فالهجرة صيرورة تنطبق أيضا على الأنبياء والمعتقدات من خلال قانون الاعتزال والعودة. ويخبرنا التاريخ أن بوذا هرب من نيبال إلى الصين فانتشرت دعوته.وهجرة حواريي المسيح قلبت مصير روما.ومن هروب علماء القسطنطينية بعد اجتياح العثمانيين القسطنطينية زرعت بذور النهضة الأوربية. يجب أن نغادر حينما يتحول الوطن إلى سجن.لان الفتنة أشد من القتل، والظلم يفسد الشيم، والاستبداد يحول الإنسان إلى كائن مسخ يتقن الكذب والتمثيل بأفضل من القرود.

وتحت كلمة الأمن نشر الرعب، وجعل للأمن تسعة عشر جهاز أمن كل يغتصب المواطن بطريقته. وتحت دعوى الحرية قتلت الحريات وأسس الاستبداد بأشجار تنبت في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين. وفي سيرة الأنبياء والصالحين تجارب غنية بأحداثها ، زاخرة بدلالاتها ، متنوعة بمعطياتها وحتى لا نخرج عن موضوع الهجرة نذكر إبراهيم عليه السلام وقد ترك بلاد الرافدين ووفرة المياه وخضرة النيل ليأوي إلى واد غير ذي زرع عند بيته المحرم.ترك كل ذلك خلف ظهره ليأمن على ذريته في ارض غير ذي زرع، لأن أعظم زرع هو الإنسان في مناخ الحرية.ومع الديكتاتورية لا أمان ولا ضمان لأي شيء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت