أمين حسن أحمد يس*
العلم ذلك العملاق الذي وسع بعظمته الكون.. قلما يجد له أهلًا يحسنون معاملته، وينشئون معه علاقة حميمة إلى درجة تجعله لهم غاية، وتجعل منهم له هوية. وإن أهل العلم على الحقيقة هم أولئك الذين قويت فطرتهم العلمية، وملأت قلوبهم وعقولهم؛ فصاروا بها محض علم يتحرك.
في عام 1989م عندما كنت في المرحلة الثانوية من سنين الدراسة، وكانت امتحانات الشهادة الثانوية على الأبواب كانت تضمني مع بعض الزملاء دار فسيحة نستذكر فيها الدروس، وبينما نحن منكبون على الكتب منهمكون في الدراسة ذهبت بفكري بعيدًا.. فقلت للزملاء: هل نحن نبذل هذا الجهد في التحصيل لندخل الجامعة حتى تؤهلنا للعمل بعد التخرج؟ واستطردت قائلًا: إن هذه الغاية لا تقنع شيئًا هنا في داخل رأسي، ولا ترضي له طموحًا!.. ولكن قوبل رأي بالاستنكار، ثم قاموا قائلين: هل تريد أن تضيع مستقبلنا؟!..
لما كان الأمر كذلك.. وكانت المعاهد العلمية لا تعدو كونها معتقلات يمارس فيها الزبانية والجلادون عمليات الاضطهاد الإنساني كان ذلك هو السبب الذي لم يجعلها يومًا (مدينة نور مسحورة؛ تحوي الإنسان الأسطورة) .. وحيث إن الروح لا ترضى بغير مقامها الأسنى فقد رفضت الواقع المشين.. كان هذا أدعى أن أدخل بها في سبحات روحية أتأمل فيها الحقيقة؛ فأخذت أوغل إلى أن رأيت بعين البصيرة نور الفكرة يمتد على مدى الرؤية حين انبثاقها من عين الوجود (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات و الأرض وليكون من الموقنين) ؛ فعلمت أنه لكي أكون إنسانًا فيجب أن أطلب العلم لذاته؛ لا لغيره.. وأدركت أن مفتاح الذات الذي به يدخل المرء عالم نفسه لا يوجد إلا في العلم.. وحتى الإرادة والاختيار لا يكونان إلا بالعلم، وإنك لا تستطيع أن تخترق حجب المادة ليكون لك وجود وراء الطبيعة - متافيزيقيا - إلا بالعلم، ورأيت أن الكون قد أسس تأسيسًا علميا؛ فلا بد لمن يستخلف فيه أن يكون مخلوقًا علميًا.. (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) .. يقول صاحب الظلال: (إذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم هذا الكائن الجديد في الوجود زمام هذه الأرض، وتطلق يده، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين وكشف مافي هذه الأرض من قوى، وطاقات، وكنوز، وخامات، وتسخير.. هذا كله له في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه؛ إذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة والاستعدادات المذخورة كل ما في هذه الأرض من قوى، وطاقات، وكنوز، وخامات، ووهب له من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية.
لم تكن الخصيصة التي كرم بها آدم وفضل على الملائكة شيئًا سوى (العلم) .. ولم يكن الذي تلقاه آدم علما تلقنيا؛ إذ لو كان الأمر مجرد التلقين لما كانت هناك مزية لآدم على الملائكة، لقد كان آدم عليه السلام وهو ينبأ بأسماء كل شيء يباشر طبيعته البشرية، ويعمل بمقتضى وجوده الإنساني.. يقول صاحب الظلال: ها نحن أولاء نشهد طرفا من ذلك السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله ذلك الكائن البشري وهو يسلمه مقاليد الخلافة.. سرُّ القدرة للرمز بالأسماء للمسميات، سرُّ القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها وهي - ألفاظ منطوقة - رموزًا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة. أهـ.. والمعنى أنه إذا قيل لزيد من الناس (جبل) انقدح في ذهنه صورة الجبل، وإذا رآه عرف أن اسمه جبل دون الحوجة للسؤال عنه، يدخل في ذلك المعاني والمحسوسات.. يقول سبحانه وتعالى مخبرا عن خلق الإنسان: (ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلًا ما تشكرون) السجدة (9) .. نلاحظ أن ذكر السمع، والبصر، والفؤاد جاء بعد ذكر النفخ نفي الروح؛ وليس عند تسوية البدن؛ للدلالة على أن الذي جُعل إثر نفخ الروح هو من الروح كشيء من لوازمه.. ما الروح؟، هل الروح إلا هذا الإنسان؟.. ثم يمضي السياق القرآني ليبين في آية أخرى جدوى وجود السمع والبصر والفؤاد في التكوين الذاتي للإنسان (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) .. يقول السيد الألوسي في أرواح المعاني: (المعنى جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها على العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم) .. هل يبقى لنا حيال هذا إلا أن نسلم بأن الإنسان أُعد في فطرته إعدادًا خاصًا ليكون بموجبه مخلوقًا علميًا.. وإننا لنلمس العلمية واضحة جلية في الأطفال الذين يريدون أن يتعرفوا على كل شيء، ويحاولون اكتشاف الحياة من حولهم.
الإنسان و العلم و القلم (2/2) أمين حسن أحمد يس*
إن الله سبحانه - الذي أعطى بني آدم هذه الإنسانية العلمية الراقية - يأبى إلغاؤها أو تعطيل أيّ جزء منها؛ لأن إلغاءها هو إلغاء لحريتها، وتعطيل شيء منها يعني محو جزء من علمها وكرامتها.. فمن للإنسانية حين تستعبدها الإرادة المستبدة ؟!..