فهرس الكتاب

الصفحة 17302 من 27345

صعود وسقوط الترابي..

قراءة في مسيرة مثيرة للجدل حسن عبد الحميد*

قبل عشرين عاما بالضبط في العام 1986م قمت برفقة أحد زملائي المصريين بجامعة عين شمس بزيارة للشيخ صلاح أبو إسماعيل ـ رحمه الله ـ أحد أبرز رموز الإسلاميين في مصر في ذلك الوقت، وقدمنا إليه كتابا ينتقد آراء الدكتور الترابي زعيم الجبهة الإسلامية القومية حينها، فقلّب الشيخ أوراق الكتاب ثم قال لنا: نحن وإن كنا نختلف مع الترابي في بعض آرائه، لكنا نقف معه لمطالبته بتحكيم الشريعة الإسلامية بالسودان. وبعد هذه الزيارة بتسع سنوات ـ تقريبا ـ كنا في زيارة للشيخ قاضي حسين أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، وتطرق الحديث إلى منهج الترابي وآرائه الشاذة المخالفة لكثير مما تعارف عليه أئمة المسلمين وعامتهم، وكان الشيخ قاضي حسين يدافع عن الترابي، ولما سألناه هل قرأت كتب الترابي؟ أجاب الشيخ قاضي حسين: كلا، ولكني أُحسن الظن به.

هذه العبارات التي يرددها الإسلاميون في الخارج تمثل مدخلا يفسر السؤال الذي ظل يحير الإسلاميين في الداخل: لماذا لا يستوعب الناس ما نقوله عن انحرافات الترابي؟ فالترابي ظل في نظر الكثيرين داعيا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان ومنافحا عن حاكمية الإسلام في الحياة السياسية، لذا فإن الكثيرين نظروا إلى الجانب السياسي في شخصية الترابي، وأعرضوا عن آرائه الفكرية الشاذة التي ظل يرددها منذ زمن بعيد بصيغ مختلفة، بل بعضهم لم يسمع بها أصلا.

ولكن كيف صعد الترابي إلى قيادة جماعة تدعو إلى استئناف الحياة الإسلامية في كل أوجه الحياة وهو يضمر هذه الآراء الشاذة حينا ويصرح بها حينا، وكيف كان سقوطه؟

الواقع أن صعود الترابي كان أيضا لأسباب سياسية بحتة، فالدور الذي لعبه الترابي في ثورة أكتوبر التي أطاحت بحكم الفريق عبود في العام 1964م عجّل بتسنم الترابي موقع القيادة وقد بهرالإخوان الفتى القادم من السربون آنذاك ببلاغته وحنكته السياسية فنصبوه زعيما لهم، وتغاضى بعضهم في جماعة الإخوان نفسها وفي الفكر الإسلامي المعاصر، فعلى صعيد جماعة الإخوان المسلمين عمل الترابي باكرا على تذويبها في جبهة الميثاق الإسلامي وطمس أي خصوصية لها تغليبا للجانب السياسي على الجانب التربوي، مما أنشأ مدرستين داخل الإخوان منذ ذلك الوقت، مجموعة تدعو إلى إيلاء اهتمام أكبر بالجانب التربوي، وهذه كانت بقيادة الشهيد الدكتور محمد صالح عمر، والدكتور جعفر شيخ إدريس ـ أمد الله في أيامه ـ وطائفة أخرى تنادي بتغليب الجانب السياسي الجماهيري ولو على حساب الجانب التربوي، وهذه قادها الترابي بنفسه مع آخرين مثل عبد الرحيم حمدي ومحمد يوسف المحامي، وكادت أن تحدث المواجهة بين المدرستين في مؤتمر عام ليتم إقصاء الترابي عن الرئاسة لولا حدوث انقلاب جعفر نميري في مايو من العام 1969م الذي كان انقلابا يساريا خالصا زجّ بالمجموعتين في سجونه فتأجلت المواجهة الداخلية حينا من الزمن.

وفي العام 1977م قاد الترابي الإخوان المسلمين إلى مصالحة مع نظام جعفر نميري إثر المواجهة الدامية التي تمت في يونيو 1976م بين الجبهة الوطنية ـ التي شارك فيها الإخوان المسلمين بفعالية ـ وحكومة نميري، وانخرط الترابي في أجهزة ومؤسسات النظام، مثل الاتحاد الاشتراكي السوداني الذي يعتبر الحزب الوحيد الممسك على مقاليد الأمور في الدولة، وترقى الترابي حتى وصل إلى منصب النائب العام ـ وزير العدل ـ ومستشار رئيس الجمهورية للشئون السياسية، وساعد الترابي في هذا الجانب أن المدرسة التي كانت تناوئه غاب رموزها، مثل الشهيد الدكتور محمد صالح عمر الذي قضى شهيدا في مواجهات مع نظام مايو في العام 1970م، وغاب الدكتور جعفر شيخ إدريس خارج البلاد في غربة طويلة، والبقية انفصلت عن التنظيم وكونت جماعة الإخوان المسلمين التي حظيت بتأييد التنظيم العالمي في العام 1979م وعلى رأسهم الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد والدكتور الحبر يوسف نور الدائم.

وهكذا مضى الترابي في الجانب السياسي واسعا، وفي أثناء ذلك ظهرت أفكاره الشاذة مثل إنكار عصمة الأنبياء والتشكيك في عدالة الصحابة والطعن في صحيح البخاري، وبرز في سبعينيات القرن الماضي منهج فكري متكامل يستند إلى فكر المعتزلة الذي مجده الترابي كثيرا في كتبه ومضى ينهج منهجهم في كثير من المسائل. ولكن كل هذه الآراء لم تجد استهجانا من الكثيرين في الداخل والخارج بسبب طغيان الجانب السياسي على شخصية الترابي، وبسبب مراوغة الترابي وتلاعبه بالألفاظ حينما تحدث مواجهات معه حول هذه الآراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت