أحمد فهمي
بلغت الحالة السياسية العراقية درجة من التعقيد تضاربت فيها المصالح وتشابكت الخيارات حتى داخل الفصيل الواحد ، ومحاولة تفكيك هذه الحالة بغرض فهمها أمر عسير ، فهناك عدد هائل من التساؤلات التي يصح الإجابة عليها برأيين متعارضين ، وتصريحات يصعب حصرها تحتمل كلا الوجهين ، بل إنه داخل اتجاه واحد يمكن أن نحصر عددا كبيرا من التصريحات والمواقف المتضاربة ، بدءا بحكومة علاوي وانتهاء بحزب السيستاني ، ولا شك في أن تواجد الشيعة كعضو رئيس في التركيبة السياسية العراقية تسبب إلى حد كبير في هذه التناقضات نظرا إلى طبيعتهم وثقافتهم ..
وفي محاولة لاختراق هذه التعقيدات نلخص الحالة السياسية العراقية فيما يتعلق بالانتخابات في ثلاثة أسئلة نحاول الإجابة عنها ، وهي: من يؤيد ومن يعارض الانتخابات ؟ - لماذا يريد الأمريكيون والإيرانيون إجراء الانتخابات ؟ - ما هي أسباب اللهفة الشيعية لإجراء الانتخابات في موعدها ؟ ..
أولا: من يؤيد ومن يعارض ؟
بدءا بالقوى الخارجية فإن الإدارة الأمريكية تتمسك بموقفها المعلن من إقامة الانتخابات في موعدها ، وكذلك فإن نظام الملالي يبذل جهودا كبيرة منذ أشهر طويلة إعدادا لهذا الحدث التاريخي ، ولذلك لا يريد بحال أن يتم تأجيلها ، وقد أبدى المرشد الإيراني علي خامنئي امتعاضه الشديد من تفجيرات النجف الأخيرة معتبرا أنها محاولة لتعطيل الانتخابات وصرح بقوله أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية هي التي تقف وراء التفجيرات ، وقال:"إما أنها ارتكبت مباشرة هذه الاعتداءات وإما أنها استخدمت بعض الأشخاص المتطرفين لكنها هي التي دبرتها"وأضاف:"بعد سنوات عدة يتوجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع للتعبير عن خيارهم رغم إرادة المتعسفين لكن قوات الاحتلال لا تريد ذلك ، إنها ترغب في انتخابات وهمية وتعمل على انتخاب أعوانها ، أولئك الذين يأتمرون بأمر الأمريكيين والبريطانيين ويسيرون العراق حاليا".
أما الأنظمة العربية فيحتفظ أغلبها بموقفين: المُعلَن يُبدي ترحيبا كبيرا بأي استقرار سياسي في العراق ، وهذا يعني التأييد الكامل لإجراء الانتخابات في موعدها المحدد ، ولكن يقول بعض المراقبين أن هناك موقفا آخر غير معلن يأمل في عجز القوات الأمريكية عن الخروج من المستنقع العراقي لأن هذا يعني تفرغ إدارة بوش لتنفيذ رؤيتها الخاصة بالشرق الأوسط الجديد أو الكبير وهذا أمر غير سار بالتأكيد ، كما أن انفتاح الساحة العراقية أمام العناصر الجهادية نقل كثيرا من نشاطها بعيدا عن الداخل العربي ، وحقق قدرا من الاستقرار ..
أما داخليا ، فالرأي العام السني يرفض تلك الانتخابات من الأساس لأنه يعتبرها محاولة لشرعنة الإقصاء وتحويل العرب السنة إلى أقلية منبوذة سياسيا ، ولكن هناك قوى سياسية ترغب في المشاركة إما لاعتبار تعاونها مع الاحتلال ، أو رغبة في الاستئثار بالكعكة السنية في ظل غيبة قوى سياسية مؤثرة ، ويأتي في مقدمة المؤيدين بالطبع حزب"عراقيون"الذي شكَّله الرئيس المعين من قبل الاحتلال غازي الياور ، وحزب"تجمع الديمقراطيين المستقلين"الذي يرأسه عدنان الباجه جي ، وهؤلاء لا يمانعون في إجراء الانتخابات في موعدها وإن كان غازي الياور صرح في أكثر من مناسبة بأن موعد الانتخابات ليس موعدا مقدسا ولا توجد مشكلة في تأجيله إذا اقتضت المصلحة ذلك ، والحزب الثالث هو الحزب الإسلامي الذي يتزعمه محسن عبد الحميد ، وكان قد قرر في البداية عدم المشاركة ثم تراجع وأعلن أنه يؤيد تأجيل الانتخابات ، ثم بدأ في تقديم أوراقه للترشح أخيرا ..
وبالنسبة للشيعة فغالبية الرأي العام مع إقامتها ، ولكن هناك قوى سياسية أغلبها ينتمي إلى توجهات علمانية تُبدي تحفظات كونها لا ترحب بهيمنة السيستاني وتتهمه بالتبعية لإيران ، وأما تيار الصدر فقد برع في إبداء مختلف المواقف من الانتخابات ، فبعد اتفاق الصلح مع الأمريكيين أعلن لجوءه للوسائل السلمية ، ثم أعلن أنه سيشارك في الانتخابات ، ثم تراجع عن ذلك وصرح مسئولون ينتمون إلى التيار أنهم لا يضمنون نزاهة الانتخابات ولذلك لن يشاركوا ، ولكن صرح مسئولون آخرون أنه لا مانع من أن يشارك مؤيدو التيار في هذه الانتخابات بصفتهم الفردية ..
ثانيا: لماذا يريد الأمريكيون إقامة الانتخابات في موعدها ؟
يُعرف الرئيس الأمريكي جورج بوش بإصراره وتمسكه برأيه حتى النهاية خاصة فيما يتعلق بسياسته الخارجية ، ويتفق معه في هذه الصفة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ، ولذلك تبدو الإدارة الأمريكية متوافقة على إجراء الانتخابات على مستوى متخذي القرار ، وهناك تفسيرات لهذا الإصرار أهمها: