فهرس الكتاب

الصفحة 12464 من 27345

بين النهج والتخطيط وبين الشعار!

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

من الحقائق المسلم بها وجود أخطاء في واقع المسلمين، ووجود خلل كان له أكبر الأثر فيما حلَّ بنا من تفسُّخٍ وهوانٍ وهزائم. تطلع الصحف بين حين وآخر تحمل مقالة لهذا الكاتب أو ذاك يعرض بعض ما تعانيه مدرسته من خلل واضطراب وانحراف، حتى أصبح ذلك عادة نتوقَّعها في خضمِّ الأحداث الهائجة المائجة.

نعم ! لقد كثر عرض الأخطاء عرضًا سليمًا أو عرضًا فيه ظنون. ولم نجد أن الأمر تجاوز العرض والتفصيل فيه أو الإيجاز، ولم نجد أن العرض حمل نهجًا لمعالجة ما يبيِّن من عِللٍ وأمراض.

لقد قدّمتُ كتابًا يوجز أهم مظاهر الخلل في الساحة الإسلامية دون أن أَحصر ذلك في فئة أو منطقة. وشمل الكتاب كذلك موجزًا للنهج الذي أرى فيه معالجة لمظاهر الخلل والأمراض، وذلك بعنوان:

"واقع المسلمين أمراض وعلاج"

من الظواهر البارزة في واقع المسلمين اليوم أنّ كثيرين لا يحبّون أن يعترفوا بأخطائهم، أو لا يحبون أن يعرفوا أخطاءهم، ولا يحبّون أن يُنصحوا، بل يحبّون أن يُحمدوا ولو بغير حق. كثيرون أولئك الذين يستكبرون على النصيحة وعلى كل محاولة للتذكير، وعلى كلّ محاولة للعلاج.

من أصعب القضايا التي واجهتُها في ميدان تربية الناشئة وتدريبهم قضية معالجة الخطأ. قلما تجد من يُسْرع فيعترف بخطئه ويعتذر ويستغفر الله ويتوب إليه. قلّما تجد من يفعل ذلك. ولكن أكثر الناس يُسْرعون في تسويغ أخطائهم وتزيينها، ويتناسون الآيات والأحاديث في حُمَّى الجدال المقيت، الجدال القاتل للجهد والوقت، الجدال الذي يحضره الشيطان فيزيّن ويثير حتى يقع الطرفان أو أحدهما في الإثم. إن التدريب على هذا الموضوع، مثل غيره من الموضوعات، يجب أن يتم في البيت أولًا، ثم المدرسة والمعهد، ثم الدعوة وسائر المؤسسات.

الميزان واضح، والخطأ بموجب الميزان واضح، والنهي عن الجدل ثابت ومقرر في الآيات والأحاديث، ومع ذلك كُلِّه ينفخ الشيطان في النفوس حتى تستكبر، فلا هي تُقِرُّ بالخطأ، ولا هي تعين على معالجته. وتمتدُّ الأيام والسنون والأخطاء تتراكم، وتُخفَى عن الأعين، وتطوى وتكمُّ الأفواه ! حتى تأتي لحظة ينفجر فيها أحدهم فيُفلت الزمام من يده، ويدوِّي بالأخطاء، بما صحَّ منها وبما لم يصحّ، وتنلقَّف بعض المصادر والصحف أو المجلات مثل ذلك، فتذيعه بأسلوب قد يُشْعِل أُوار الخلاف. وبين هذا وذاك لا ترى دراسات إِيمانية جادّة.

دعوتُ إلى ما أسميتُه"الوقفة الإيمانيّة"في كلمة نشرتها مجلة الأمة القطرية قبل أكثر من ثلاثين سنة. وقدمتُ بعض الدراسات عن نواحي الخلل إِلى من يعنيهم الأمر. وانتقلتُ بصمت وهدوء من مكان إلى مكان لأنصح قدر جهدي دون دوىٍّ إعلامي. بعضهم يُقرّون بصحة ما أُقدّم، ثم يتساءلون:"ولكن ما العمل ؟ !". ثم يُنكرون أيّ مُحاولة للعلاج، أو يقاومونها، وبعضهم يَغيبون في القيل والقال ويطلقُونَ الظنون والجدال دون الوصول إلى أيّ نتيجة إلا زيادة الخلافات.

لا شك أن هنالك أصابع يحرّكها الشيطان اندسَّت بين صفوف المسلمين لتفسد ولا تصلح، في جوّ فيه قليل من العلم، وفيه ضعفٌ في الإيمان وجهل بالواقع، مما يفتح ثغرات للمفسدين ليتسلّلوا.

إنّ من أَهم الوسائل التي قد يتخفّى بها المفسدون ويُسْتَدرج بها المسلمون دويُّ الشعارات دويًّا يُعطِّل التفكير، ويثير العواطف، ويُغْفِل النهج والتخطيط، والدراسة والبحثَ، وردَّ الأُمور إلى منهاج الله.

لقد كان لدويّ الشعارات أثرٌ خطيرٌ في كثير من قضايانا. تدويّ الشعارات وهي تُعْلِن الهدف المرجوَّ، ثم تمضي السنون فإذا المسيرة في اتجاه، والهدف المرجوُّ في اتجاه آخر، وتظهر هذه الصورة من التناقض جليّة، فيزداد دويُّ الشعارات حتى تُخفَى الصورةُ الجليّة، ويمضي دويّ الشعارات، شعارًا بعد شعار , وتُخْفَى المأساةُ حينًا إلى أن يشاء الله.

إنّ دويَّ الشعارات الخالية من أيِّ نهج هو ملجأُ المفلسين الذين فاجأتهم الهزائم، وانكشفت العورات، حتى وجدوا في الشعارات ودويِّها ستارًا يستر وغطاءً يُخفي الحقيقة عن أعين الناس. ولكنّ الله سبحانه وتعالى يعلم ما يُخفَى وما يُعلن.

والناس بصورة عامة يُسرعون إِلى قبول الشعار وحده، والتصفيق له، والجري وراءه، دون أن يسألوا أين النهج وأَين الدرب الذي يوصل إِلى الهدف المعلن، وما هي الوسائل والأساليب، وأين العدّة والإعداد ؟ ! ودون أن يسألوا أين جوهر الإيمان والتوحيد، وأين ممارسة الآيات والأحاديث ؟ ! حتى تفاجئهم الأحداث!

هذه نفسيّة"الجماهير"عبر الزمن، ولكن هذا لا يُعفي الجماهير من الحساب بين يدي الله. ولا يُعفي أحدًا من المسؤولية والحِسَاب يوم القيامة، كلّنا مسؤولون ومحاسبون، والحياة الدنيا هي الفرصة الوحيدة للتوبة والأوبة، وللاستغفار والإنابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت