فهرس الكتاب

الصفحة 2499 من 27345

أولياء الله وأحباؤه ...

الدكتور كامل سلامة الدقس

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه". وروى الطبراني في الكبير عن أمامة: يقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: (ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، وعقله الذي يعقل به، فإذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته، وإن استنصرني نصرته، وأحب ما تعبدني به النصح لي) . بدأ هذا الحديث القدسي بالتهديد الشديد والوعيد الصارم بأن من عادى لله وليًا فقد تعرض للهلاك ومحاربة الله له لأن من عادى من أحب الله خالف الله ، ومن خالف الله عانده ومن عانده أهلكه، وهل يوجد مؤمن يدخل الإيمان قلبه يجرؤ على أن يعمل عملًا يسبب له أن يعلن الله عليه الحرب؟ وإذا ثبت هذا في جانب المعاداة ثبت في جانب الموالاة، فمن والى أولياء الله أكرمه الله. والحديث على هذا يرسم في الخيال معركة تدور بين قوتين غير متعادلتين قوة العزيز الجبار في ناحية وعلى الناحية الأخرى ذلك المخلوق القزم الذي لا يكاد يُرى يقف في وجه الله معلنًا الحرب عليه! فيا للهول! إن مجرد تصور مثل هذه المعركة في الخيال ليملأها هولًا ورعبًا يقطع نياط القلب. كيف يخطر ببال هذا المخلوق الهزيل لأن يقف في معركة أمام ملك من ملوك الأرض؟ فإذا استحالت هذه المعركة فكيف يتجرأ على الوقوف في وجه ملك الملوك سبحانه وتعالى!! ألا فليطامن هؤلاء الطواغيت الذين يعتدون على عباد الله من كبريائهم وإذا دعتهم قدرتهم إلى ظلم هؤلاء فليتذكروا قدرة الله! وتأمل كيف صور الحديث هذه المعركة بألفاظ دقيقة موحية مصورة لمعناها (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) فللصورة وجهان أولهما أن أولياء الله وأحباؤه في كنف الله وفي حمايته ونصرته، يقف الله سبحانه معهم ويمدهم بالنصرة والتأييد وهذا المعنى مأخوذ من قوله ( من عادى لي وليا) فهؤلاء الأولياء لله تخت رايته وحمايته فقال إنهم لي وليسوا لأحد غيره سبحانه ومن كان الله معهم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .. فأنت تشعر بأن كلمة (وليًا) توحي إليك بمعنى الدنو والقرب من قولك ولِيَهُ يليه إذا دنا منه وقربن والوالي في اللغة هو المحب والصاحب الحليف، والجار والشريك والقريب فاختيار هذه الكلمة أدق من السحر. لأنها تصور أبدع تصوير تلك العناية الربانية والرعاية السماوية الشاملة من الله تعالى لأوليائه الطيبين الكرام.. فلا يمكن أن يخطر بالبال أن يدع الله تعالى نصرتهم وتأييدهم. لأن هذا غير جائز في حق البشر فكيف في حق البشر فكيف يجوز في حقه سبحانه!! وكلمة"آذنته"شديدة الجرس ثقيلة الوقع على النفس ترسم بجرسها الذي تلقيه في الأذن وبوزنها التي تلقيه في الخيال معنى الإنذار والتهديد والوعيد الشديد فمد الحرف الأول (آ) والوقوف على النون في المقطع (آذن) وما فيه ممن حبس صوت النفس، ثم حركة التاء بالضم بعد السكون بعد هذا الوقف كل ذلك يبهر النفس ويملأ القلب روعة ورهبة . ولذلك نظير في كتاب الله حيث قال تعالى (فأذنوا بحرب من الله) وهذا يشير إلى استفادة رسول الله صلى الله عليه وسلم من لغة القرآن لفظًا ومعنى. والعبارة كلها (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) عبارة مصورة لمعناها أجمل تصوير في طريقة تركيبها وترتيب كلماتها، وتأمل جملتي الشرط والجواب. ترى اقتران جملة الشرط بالجواب بالفاء التي توحي بسرعة نصرة الله تعالى لأوليائه دون إبطاء (من عادى لي وليًا- فقد آذنته بالحرب) . وإذا ما تم تقرير هذه الحقيقة وترسيخها بهذا الإيقاع الحاسم من أول عبارة في الحديث يعود الرسول عليه الصلاة والسلام مبينًا من هم أولياء الله الذين يستحقون هذه الكرامة والمنزلة العالية والرفيعة؟ فما أجمل الإيضاح بعد الإبهام إذ أنه يبعث في النفس عنصر الإثارة والتشويق. فقد تهيأت النفس والقلب والعقل معًا لمعرفة هذه الفئة الممتازة التي استحقت النصرة والتأييد من الله سبحانه. فقال ( وما تقرب إلي عبدي بشيء احب إلي مما افترضته عليه… ) وتأمل المناسبة الدقيقة بين معنى الولي الذي قلنا أنه يحمل معنى القرب (تقرب) بهذه الصيغة التي تصور المعنى أبدع تصوير فوزن الفعل (تفعل) يوحي ببذل الجهد والمكابدة والمعاناة ومجاهدة النفس ومغالبة الهوى في محاولة العبد التقرب من مولاه عز وجل ومن مواطن رحمته لينال المثوبة والتكريم. فهذه العبارة (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) . تحمل حقيقة جديدة تكشف بوضوح من الذين يستحقون أن يكونوا عباد لله وأولياء محبين له يحبهم ويحبونه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت