فهرس الكتاب

الصفحة 2277 من 27345

رئيسي:تربية:

أولًا:التفكير في شرف الحق و ضِعَةِ الباطل: وذلك بأن يفكر في عظمة الله، وأنه رب العالمين، وأنه سبحانه يحب الحق ويكره الباطل، وأن من اتبع الحق استحق رضوان رب العالمين، فكان سبحانه وليه في الدنيا والآخرة، بأن يختار له كل ما يعلمه خيرًا له وأشرف حتى يتوفاه راضيًا مرضيًا، فيرفعه إليه ويقربه لديه، ويحله في جوار ربه مكرمًا منعمًا في النعيم المقيم، والشرف الخالد، الذي لا تبلغ الأوهام عظمته.

وأن من أخلد إلى الباطل استحق سخط رب العالمين وغضبه وعقابه، فإن آتاه شيئًا من نعيم الدنيا؛ فإنما ذلك لهوانه عليه ليزيده بعدًا عنه، وليضاعف له عذاب الآخرة الأليم الخالد الذي لا تبلغ الأوهام شدته .

ثانيًا:يفكر في نسبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين ونعيم الآخرة، ونسبة بؤس الدنيا إلى سخط رب العالمين وعذاب الآخرة: ويتدبر قول الله عز وجل: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [31] أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [32] وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [33] وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ [34] وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [35] } [سورة الزخرف] .

ويفهم من ذلك أنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة؛ لابتلى الله المؤمنين بما لم تجر به العادة من شدة الفقر والضر والخوف والحزن وغير ذلك، وحسبك أن الله ابتلى أنبيائه وأصفيائه بأنواع البلاء .وعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنْ الزَّرْعِ تُفِيئُهَا الرِّيحُ تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى حَتَّى تَهِيجَ وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا لَا يُفِيئُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً] رواه البخاري ومسلم.

والمقصود من الحديث: تهذيب المسلمين، فيأنس المؤمن بالمتاعب والمصائب، ويتلقاها بالرضا والصبر والاحتساب، راجيًا أن تكون له عند ربه، ولا يتمنى خالصًا من قلبه النعم ولا يحسد أهلها، ولا يسكن إلى السلامة والنعم ولا يركن إليها، بل يتلقاها بخوف وحذر وخشية؛ أن تكون إنما هيئت له لاختلال إيمانه، فترغب نفسه إلى تصريفها في سبيل الله، فلا يخلد إلى الراحة ولا يبخل، ولا يعجب بما أوتيه، ولا يستكبر ولا يغتر، ولم يتعرض الحديث لحال الكافر؛ لأن الحجة عليه واضحة على كل حال .

وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ: [الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ] رواه الترمذي وأحمد والدارمي.

وقد ابتلى أيوب بما هو مشهور . وابتلى يعقوب بفقد ولديه، وشدد أثر ذلك على قلبه فكان كما قصه الله في كتابه: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [84] } [سورة يوسف] .

وابتلى محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام بما تراه في السيرة، فكلفه أن يدعو قومه إلى ترك ما نشأوا عليه تبعًا لآبائهم من الشرك والضلال، ويصارحهم بذلك سرًا وجهارًا، ليلًا ونهارًا، ويدور عليهم في نواديهم ومجتمعاتهم وقراهم، فاستمر على ذلك نحو ثلاث عشرة سنة، وهم يؤذونه أشد الأذى مع أنه كان قد عاش قبل ذلك أربعين سنة أو فوقها ولا يعرف أن يؤذي؛ إذ كان من قبيلة شريفة، في بيت محترم موقر، ونشأ على أخلاق كريمة احترمه لأجلها الناس ووقروه، ثم كان ذلك على غاية الحياء والغيرة وعزة النفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت