فهرس الكتاب

الصفحة 6180 من 27345

الجار وصية جبريل""

حوار مع الشيخ محمد الراوي

عندما تغيب القيم والأخلاق، وتحل المصالح والأهواء، وتستبد الأنانية والأطماع، يطغي الفساد ويتحول البشر إلى وحوش يأكل بعضهم بعضا، فتنهار الروابط ويُحل عقد الجوار الذي وثقه الله بين خلقه.

فقد وضع لنا الإسلام القواعد كي نسير عليها في تعاملنا مع جيراننا سواء كانوا في بيت أو عمل أو سفر أو دول؛ فالجوار عام ليس به تخصيص، لكن من منا يستند إليه؟!

لا يعيش الإنسان وحده

حاورنا فضيلة الشيخ محمد الراوي -عضو مجمع البحوث الإسلامية، الرئيس الأسبق للجنة شئون القرآن بالأزهر الشريف- عن أهمية الجيرة وأثرها على الإيمان، فأكد أن الكون كله جيرة وجيران، فإذا نظرت يمينا ويسارا تجد بيتا لجار، فالإنسان لا يعيش وحده، بل يعيش في مجتمع ينعطف إليه.

وإذا ابتلي الإنسان بجار لا يتقي الله فيه، وصبر عليه ودعاه للاستقامة فلعل الله يهديه، فيتبدل البغض إلى محبة.

* كيف كان الرسول جارا بارا؟

-ما عرف أحد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وتأثر به تمام التأثر، فكم من أمور تعرض لها الرسول بالأذى ومع هذا تجد منه السماحة والصبر والدعوة بالبر، وهذا يحول مَنْ آذاه من عدو إلى صديق وحبيب وبار ومحسن؛ لذا اجتمع الناس عليه.

وكم أرادوا إيذاء الرسول ولكنه عفا وسامح؛ فحتى قريش التي أخرجته لما جاء إليها واجتمعوا جميعا وهم يعلمون العقاب، وعندما استطاع أن يرد إهانة قريش له سألهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فما رد عليهم إلا بكرم الأخلاق: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

إذن العفو أساس في تعامله مع الآخرين، فلم ينتشر الدين بالكلام ولكن بالعمل الصالح؛ لأن الكلام لا يقدم ولا يؤخر إذا لم يكن الإنسان صالحا وعمله حسنا، وأمرنا الله جميعا بالتعاون فقال عز وجل: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

المفهوم الشامل للجيرة

-هل يتوقف مفهوم الجوار عند جوار الإنسان لأخيه الإنسان، أم أن هناك جوارا أعلى درجة من الجوار الفردي، بمعنى: هل وضع الإسلام منهجا للتعامل مع الجوار الدولي بين الدول فيما بينها، سواء أكانت مسلمة أم غير مسلمة؟.

-عندما أوصى جبريل بالجار لم يحدد نوعه، فهناك معنى عام للجار، ولم يحدد الدين مواصفات وشروطا للجار الذي يستحق البر -مذهبه أو ملته أو دينه- وكأن الفضل يجب أن يعم كل الجيران.

ومنهج الإسلام هو"الإحسان".. والإحسان بصورة عامة يحققه العدل في النظر للأمور والعدل مع النفس؛ بمعني لا نقول قم صل 100 ركعة، فلا بد أن يكون فيه اعتدال وتوازن وتوسط.

وهناك شيء لا بد أن يفهمه الناس؛ أن الله لم يجعل مكانا فيه اكتفاء ذاتي، إنما جعل حاجة الناس إلى بعضهم البعض حتى يأتي التعاون بصورة فطرية بينهما، وهنا يظل الترابط كما قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} . ولم يقل لتناقضوا أو لتحاربوا أو لتتباغضوا، فالتنوع المغزى منه هو التعارف والتقارب، وأن يحسن بعضنا إلى بعض، ويقضي بعضنا حاجة بعض.

وفي القرى، نجد القرويين في تعاون وسلام، وكأنهم عائلة واحدة، وما حدث من تبديل في هذه المفاهيم، فنقول فيه: حسبنا الله ونعم الوكيل.

لماذا تفرق الجيران؟

الإحسان مفتاح القلوب

* وما الأسباب التي أدت إلى انفراط عقد الجوار بين الناس؟

-الدنيا مؤثرة.. يؤثرها الإنسان ويريدها من أي طريق، وإن لم يكن يعرف الحلال والحرام فلا يقرب إلا ما أحل الله له، ولا يقترب مما حرم الله عليه، ولا يقع أذى منه لأحد، ولا يضيق بأحد يصلح حالها.

ولكن عندما تؤثر الدنيا، وتؤثر الأهواء والشهوات تذهب الروابط الكريمة، وهذا سر أخطاء البشرية. وتتعدد المشاكل التي أدت إلى فساد الإنسان في الأرض، منها: الطمع، والاستبداد، والعلو في الأرض، وتعالي الإنسان على الإنسان، وعدم شعور الإنسان بأن قيمته في إكرام أخيه.

وينهانا عن ذلك القرآن: {وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ} ، فهنا اعتبر لمزه لغيره لمزا لنفسه، وإساءته لغيره إساءة لنفسه، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَة} .

* كيف نوازن في الجيرة بين المحافظة على الخصوصية والتواصل الاجتماعي؟

-يجب ألا يؤذي الجار جاره، ولكن يجب أن يكون معاونا له على الاستقامة، وإن ظهر فيه عيب يخفيه ويعالجه بالحكمة، وكأن الجيران جسد، فهل يمتنع القلب يوما عن ضخ الدم لأحد الأطراف، أو لأي عضو آخر في الجسم؟.

الجيرة.. والمنهج الأخلاقي

* ما منهج الإسلام في بيان حقوق وواجبات الجار؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت