البطولة في تاريخ الإسلام - 21
الأستاذ أنور الجندي
في تاريخ الإسلام تتكشف البطولة في ثلاثة أبعاد:
-بطولة الحرب والمقاومة ورد الغزاة.
-بطولة الفكر وتصحيح المفاهيم.
-بطولة بناة الدول في مجال الحضارة.
وهي بهذا تكاد تسيطر على تاريخ الإسلام كله للذي يجري في هذه الأبعاد الثلاثة، والواقع أن الإسلام قد رسم أيديولوجية جديدة لها طابعها الخاص، تتسم بالإيمان بالله وقوامها الجهاد في سبيل كلمته وإقامة حياة الفرد والجماعة على أساس العمل المتقدم البناء في مجال الإنشاء والحضارة، ونم خلال هذا المفهوم تتمثل النظرة إلى الحياة والمال والموت والجزاء
ومن هنا برزت"البطولة"التي تمثلت في شخصيات نموذجية أهدت حياتها لتحقيق رسالة الإسلام في الدعوة إليه والدفاع عنه وتصحيح مفاهيمه ورد عادية خصومه عن قيمه وعن أرضه.. ومن هنا كان مفهوم"الجهاد"لا يتوقف على الحرب وحدها وإنما يتسع نطاقه حتى يشمل مجال النشاط الإنساني كله ما دام هدف الحياة الإنسانية الأساسي هو تحقيق رسالة الإسلام ودعوته.
هذا هو التغيير الخطير الذي أدخله الإسلام على مفاهيم الأمة التي بزغ فيها ضوؤه وهي أمة مهيأة بالفطرة لتقبل رسالة عظمى كهذه الرسالة ولما كانت حركات التاريخ كلها تتمثل في أمم وجماعات تكون بطبيعتها معدة إعدادًا نفسيًا وبيئيًا ووراثيًا لحمل رسالة معينة، فإنه من خلال هذه الجماعة تبرز بطولات الأفراد التي تخطو بالعمل خطواته المنوالية.
كذلك فإن الأمة العربية بطبيعة تكوينها وبيئتها ووراثياتها، وهي تعيش في هذه الجزيرة الضيقة المنعزلة عن حضارة الرومان وحضارة الفرس والتي بعدت عن عبور الغزاة وحركات الغزو ومعارك القتال وتيارات الحضارة والفكر والمذاهب والأديان، إنما كانت معدة بذلك إعدادًا خاصًا لتلقي رسالة ضخمة إنسانية عالمية تحمل لواءها بكل هذه العوامل المكونة لنفسية جماعتها وأفرادها، وقد التقى مفهوم الإسلام بطبائع العرب. فتحقق بذلك تحول خطير في قيم العرب وفق مقاصد الإسلام، وقد حدث هذا التحول الخطير في دقة ويسر.. واستطاعت أعوام لا تزيد على نيف وعشرين عامًا هي حياة الرسول محمد بن عبد الله منذ بعثته إلى وفاته، أن تحقق هذا التحول.. فقد عرف العرب بالشهامة والكرة والقوة والعزم والمقاتلة والصبر والصمود والبذل. وتلك كلها صفات يرتضيها الإسلام.. غير أنها قبل الإسلام كانت موجهة في بسيل الغاية الفردية. والاستطالة والثأر. والاستعلاء والظلم. فكان أن حولها الإسلام إلى مفهوم إنساني رفيع، وجعلها في سبيل تحقيق هدف ومن أجل غايات عليا قوامها الإنسانية والتوحيد والعدل والحق والحرية، وأحاطها بسياج متين من الضوابط، فعدل اتجاهها وبالتالي عدل اتجاه النفس الإنسانية العربية وجعل عزيمتها الصارمة قوة لا حد لها في سبيل إذاعة كلمة الله في الآفاق وتحطيم كل قوة تحول دون توسعها.
دون أن تكون قوة عدوان أو تسلط أو ظلم. وإنما تكون وفق مفهوم القرآن"أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا..".
والمسلمون يقاتلون في سبيل غاية عليا هي تحقيق كلمة الله ونشر الإسلام والدفاع عنه. وهم لا يطمعون في مغلم مادي بالدرجة الأولى. وهم في أعمق أعماقهم قد خرجوا على مضمون واضح في نفوسهم.. هو النصر أو الشهادة.. وفي حال الشهادة يحس المسلم أنه أحرز أكثر نصر.. فهو قد قدم روحه في سبيل فكرة ملأت نفسه وفاضت بها روحه. ومن هنا فهو يقاتل دون أن يخشى الموت أو القتل لأنه وطد نفسه على أن يموت. فلابد أن ينصر الكلمة التي آمن بها أولًا. ومن هنا فإن النتيجة أن ينتصر ولا يموت، تحقيقًا لقانون صادق:"اطلب الموت توهب لك الحياة". وليس معنى هذا أنه لم يقتل من المسلمين أحد، فقد قتل الكثيرون ولكنهم ماتوا شهداء.. مؤمنين بأنهم قد أدوا حق الله في سبيل مبدأ آمنوا به وعقيدة ملأت نفوسهم.
وقد عاش هذا المعنى في نفوس المسلمين طويلًا وما زال حيًا نابضًا بالحياة، فهم يتمثلون في كل خطوة، ذلك المعلم الأول والقائد الأول.. ما تزال صورته الواضحة الدقيقة المتمثلة في كتب السنة، وفي مختلف تصرفاته، تواجههم وتملأ قلوبهم بالشوق إلى المتابعة والتأسي. فقد كان صلى الله عليه وسلم هو التطبيق العملي لفكرة الإسلام ومقاصده وأهدافه.
فكان تجسيدًا كاملًا لتعاليم الإسلام، والأسوة الحسنة للمسلمين، كان خلقه القرآن.. وقد وصفه الحق بقوله:"وإنك لعلى خلق عظيم".
وقد تمثلت البطولة بعد مرحلة النبوة في مواجهة الردة التي أصبحت الجزيرة العربية عليها ذات يوم بعد اختيار النبي للرفيق الأعلى، وفيما عدا تثقيف وقريش فقد ارتد سائر العرب.. وكان موقف الصديق، دائمًا قويًا فقد أصر أبو بكر الخليفة الأول على المقاومة ورفض الاستسلام.. وأنفذ أحد عشر جيشًا في يوم واحد.. واستطاع أن يستأصل الردة في معارك متعددة أكبرها معركة اليمامة..