وسرعان ما أبرزت هذه المعركة الأساسية في ميزان بقاء الإسلام بطولات. في مقدمتها بطولة البراء بن مالك. فقد زحف المسلمون حتى الجئوا المرتدين إلى حديقة أطلق عليها من بعد (حديقة الموت) وفيها مسيلمة مدعي النبوة.
فقال البراء: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديثة.
فقيل للبراء: لا تفعل.. قال: والله لتطرحني عليهم فيها..
فحمل إلى أن أشرف على الحديقة حتى فتحها للمسلمين.
وفي مواقف متعددة وغزوات مختلفة توالت على ثرى الشام وفارس والعراق ومصر برزت معالم البطولة الإسلامية حية نابضة بالحياة. وقد غيرت مقومات الإسلام القيم والمفاهيم لدى المرأة، كما غيرتها لدى الرجل. فقد جاهدت المرأة في الحرب وقاتلت.. فقدمت حليها وشعرها.. وفي معركة اليرموك قاتلت النساء في جولة فخرجت جويرية بنت أبي سفيان ومعها زوجها فقاتلت قتالًا شديدًا.
وهكذا بدت بطولة الحرب والمقاومة في صورة نم أدق صورها. مستمدة قوتها نم مفهوم الإسلام نفسه. وإذا كانت بطولة الحرب قد توقفت في العام 114 هـ بصورة عامة، فإنها ظلت حية تتمثل في حركة المقاومة التي لم تتوقف في جبهات الحدود الإسلامية البيزنطية والحدود الأندلسية الأوربية والإسبانية وفي حدود عالم الإسلام والمشرق.
فقد امتدت معارك المقاومة متقطعة على مراحل وفترات ولكنها كانت وفق خطة لم تتغير من جانب العدو هي: الإدالة من علم الإسلام أو الحيلولة بينه وبين التوسع... ثم برزت ثلاث معارك ضخمة.. هي الحروب الصليبية في المشرق وحروب الفرنجة في الأندلس والمغرب والغزو الصليبي التتري. وفي خلال هذه المعارك تجددي مفاهيم الإسلام في المقاومة بصمودها وسماحتها في الوقت نفسه. وبرزت نماذج جديدة من البطولة الحربية، وتشابهت صور نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي مع صور خالد ابن الوليد وسعد بن أبي وقاص.. وتلمس المسلمون على المدى الطويل أخلاق الإسلام ومفاهيمه، يحاولون أن يكونوا على مستوى الرعيل الأول حماية للذمار ومقاومة للعدو وعدلًا وسماحة.
بطولة العلم التجريبي
لا مشاحة إن العلم كان ولا يزال من أخصب جوانب الفكر الإسلامي ودعامة أساسية في بناء الحضارة الإسلامية فقد حرض القرآن على اصطناع العقل، ودعا إلى النظر في الكون والبحث في أعماق الأرض ففتح الباب واسعًا للمسلمين مذ اللحظة الأولى لنزوله إلى النظرة العلمية العقلية القائمة على التكامل بين العقل والقلب والوسطية بين الروح والمادة وقد كانت أزهر فترات التاريخ الإسلامي هي المرحلة التي توازن فيها الفكر الإسلامي: جامعًا بين الدين والدنيا وبين ثقافة القلب وثقافة العقل..
وفي مجال العلم برز أبطال من الباحثين الدارسين لم يتوقف أمرهم عند علوم الشريعة والعقيدة والأخلاق وإنما امتد إلى مجال العلوم الطبيعية والرياضية فبلغوا في مختلف مجالاتها قدرًا عاليًا، وقد كانت قاعدتهم الأساسية: العلم هو علم الدنيا والآخرة معًا وهو العلم الجامع بين بناء الحضارة وبناء النفس الإنسانية جميعًا.
هذه النظرة كانت قيمة أساسية في مجال البحث العلمي الإسلامي.. أما انحراف هذه النظرة في مرحلة الضعف حين غلبت (الجبرية) وحين انصرف المسلمون عن العلوم الطبيعي والرياضية فذلك انحراف لا ينسب إلى الإسلام وإنما ينسب إلى المسلمين.
وقد بدأ المسلمون ممارسة العلم والبحث في مختلف المجالات قبل أن يتصلوا بالفلسفات اليونانية وغيرها فلما بدأت ترجمة الآثار اليونانية أخذوا تلك المبادئ القليلة التي كانت عند اليونان فنظروا فيها وعرضوها على مفهوم التوحيد الخالص فرفضوا منها وقبلوا ثم نموا ما قبلوه وأضافوا إليه ثم أبدعوا علومًا أخرى لم يسبقهم إليها أحد.
ولاشك أن اتجاه الفكر الإسلامي إلى الانفتاح على الثقافات البشرية: فارسية ويونانية وهندية، كان إيمانًا بإنسانية الفكر الإسلامي ومرونته وحيويته وقدرته على استيعاب الثقافات البشرية وصهرها في بوتقته ورفض ما لا يتفق مع مفاهيم الإسلام ومقوماته. وإذا كان أئمة المسلمين يهدون الهدايا إلى حكام بيزنطة إغراء لهم بإرسال الكتب القديمة، بل وكانوا يجعلون هذه الكتب من الجزية المفروضة على الروم فإن دلالة هذا التصرف واضحة في فهم المسلمين للإسلام وجرأتهم في مجال العلم والعقل والبحث.
وقد نما الفكر الإسلامي من خلال العقائد والفقه وكان تحقيق الحديث النبوي علامة ضخمة على قيام المنهج العلمي الموثق لقبول النصوص أو رفضها، هذا المنهج الذي نما بعد ذلك في مجال الفقه والتاريخ، ثم كانت التفريعات والتشقيقات التي قام بها المفكرون المسلمون إزاء القضايا والأحداث والمواقف المتعددة لإيجاد حلول منوعة لكل حالة من حالات المجتمع وعلاقات الناس في مختلف البيئات والعصور.