كانت هذه الممارسة مقدمة للعمل في مجال الفلك والكيمياء والرياضيات والطب الذي حقق مولد حدث ضخم هو (المنهج التجريبي الإسلامي) الذي رسم المفكرون المسلمون والعرب منهاجه ووضعوا قواعده وأقاموا عليه أعمالًا ضخمة وحققوا به تقدمًا بارعًا.
هذا المنهج التجريبي الإسلامي هو آخر ما أهدت الحضارة الإسلامية لأوروبا في القرن العاشر الهجري والقرن السادس عشر الميلادي عن طريق الأندلس بعد أن سجل أعلام العلم التجريبي خطوات واسعة تشهد بدور المسلمين في إقامة هذا المنهج وممارسته، وفي مقدمة هؤلاء الرازي وابن سينا والخوارزمي والبتاني والبيروني وعمر الخيام، وابن زهر وابن خاتمة وابن الهيثم وابن العوام وابن البيطار وابن رشد وابن الخطيب.
الآراء اليونانية بالآراء الهندية. وقال: إذا لم يكن هذا الذي فعله العرب ابتكارًا فليس في العلم ابتكار على الإطلاق، فالابتكار العلمي في الحقيقة إنما هو حياكة الخيوط المتفرقة في نسيج واحد.
والحق أن المسلمين لم ينقلوا المفهوم الرياضي الإغريقي بل وضعوا مفهومًا جديدًا - كما فعلوا في الفلسفة والأخلاق والتصوف والأدب، وكل الفنون التي كان لها وجود سابق على الإسلام. وكان مفهومهم قائمًا على الربط الوثيق بين مكتشفات العلم وبين مبادئ الإسلام.
وهكذا كان موقف المسلمين من العلم موقفًا له طابعه الاستقلالي الإبداعي، وإذا كانوا قد أخذوا من تراث الأقدمين فإنهم لم يستسلموا له أو يتوهوا فيه ولم يدعوه يصوغهم بل هم الذين صاغوه وفق إطار واضح منت قيمهم ومفاهيمهم، ذلك أن القرآن قد دعاهم إلى العلم وحثهم الإسلام على النظر في الكون والبحث في الأرض فلما تسلموا زمام العلم لم يخضعهم، وإنما أخضعوه وحرروه من زيوف الوثنيات والغموض وحاولوا دون أن يكون وسيلة للعدوان أو أباحته. فقد أعادوا صياغته في ضوء مفهوم الإسلام خلقًا جديدًا مختلفًا كل الاختلاف ثم أقاموا عليه بناء ضخمًا وأضافوا إليه إضافات كبيرة.
وقد كانت أداة العمل في مجال العلم عند المسلمين هي:
(النظر العقلي + التجربة + الرحلة) وقد بلغ المسلمون في ذلك غاية الغايات فحققوا النصوص القديمة ورفضوا ما لا يقبله العقل والتمسوا التجربة في المعامل فقاموا بها على الحيوانات والحشرات ثم ذهبوا إلى أطراف الأرض يبحثون عن الحقائق وقد رحل البخاري ستة عشر عامًا ورحل الغزالي عشر سنوات ورحل ابن بطوطة ربع قرن كامل.
كما حفلت عواصم الحضارة الإسلامية بمعاهد العلم ومعامله ومراصد الفلك والمكتبات، وكان في بغداد وحدها في عصر المقتدر بالله الخليفة العباسي ما قارب التسعمائة طبيب ممن جازوا الامتحان ليكونوا أطباء وقد نظمت صناعة الطب فكان للأطباء رؤساء وكان عليهم رقباء لاتصال أعمالهم بمصالح الناس كافة، ومن الأطباء من كان خاصًا بالجند فهو يصحبهم في أسفارهم ولهم رواتب ومنهم من يطببون العامة وهم غير المرتزقين ومنهم متخصصون ومنهم الطبيب على إجماله ومنهم الجراح والفاصد ومنهم الكحال أي طبيب العيون والأسنان ومنهم من يقتصر عمله على معالجة النساء ومنهم من يطب للمجانين. وكانت جامعة بغداد تعتمد سنويًا مليونًا ونصف مليون فرنك لشراء الكتب والمخطوطات.
ولم يقف شأن العلماء التجريبيين المسلمين عند مجال الطب بل تعداه إلى مختلف مجالات الفلك والجغرافية والكيمياء والفيزياء، والنبات والزراعة والرياضة والتاريخ والرحلة والكشف.
وقد سبق الباحثون المسلمين علماء أوروبا في (تقعيد) القواعد فابن حزم وضع أسس نظرية المعرفة التي قام بها (كانط) بعده بثمانية قرون.
وابن خلدون بسط فلسفة الاجتماع قبل منتسكيو وتادر بخمسة قرون. وبراهين الغزالي للدفاع عن الإيمان سبقت نظرات القديس توماس الاكويني بعشرة قرون.
وكان أبرز عوامل التقدم العلمي الإسلامي سماحة المسلمين في تلقي علوم السابقين لهم وإن خالفت أصول فكرهم كما كان العلماء المسلمون سمحاء مع اليهود والنصارى، ذلك التسامح الذي لم يسمع بمثله في العصور الوسطى، وكانوا آية التسامح في عرض علوم الملل والنحل، وقد قدموا كل نتاج أبحاثهم العلمية في الأندلس إلى أوروبا بسماحة، وكان العلماء المسلمون مطبوعين على الخلق والصدق وشمول النظرة بين العلوم العقلية والشرعية والرياضية. والحق أن الإسلام لم يعط الغرب أساس البحث العلمي التجريبي فحسب ولكنه أعطاه مفهوم الحرية والاندفاع نحو العمل والبناء والإنشاء والابتكار، وهو ما قدمه ابن رشد للفلسفة الأوروبية من مفاهيم زلزلت القيم الجامدة القديمة، حيث تغيرت نظرة إنكار الدنيا والتشاؤم التي كانت غالبة على الفكر الأوروبي وحلت محلها نظرة إيجابية مصدرها الإسلام، فالإسلام وهو دعوة البحث عن الحق قد حرض الناس على السعي إليه عن طريق المعرفة والدفاع عنه وقدم في هذا المجال قانونين أساسيين:
(الأول) .. هو الشك قبل الإيمان وقدم لذلك قصة إبراهيم الذي تطلع إلى القمر ثم الشمس وغيرهما ثم دخل بعد الشك في الإيمان.