فهرس الكتاب

الصفحة 23653 من 27345

عبد العزيز آل عبد اللطيف 28/2/1424

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

غلب على الكثيرين الجهل بموضوعات السياسة الشرعية، وخفي عليهم ما يتعلق بمسائل الولايات وأحكامها وواجباتها، بل توهم بعضهم أن دين الإسلام لا صلة له بالولايات والسياسات، كما أحدث بعضهم قوانين سياسية بسبب جهلهم وتقصيرهم في معرفة حقيقة الشريعة ومقاصدها.

وفي هذه المقالة جملة من المعالم المهمة في السياسة الشرعية، وفق منهج أهل السنة والجماعة، نذكرها على النحو التالي:

01 إن مقصود جميع الولايات في الإسلام أن يكون الدين كله لله -عز وجل-، وإصلاح دين الخلق، فالولاة إنما نصبوا من أجل إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قرر ذلك غير واحد من أهل العلم والتحقيق.

فقال الماوردي:"الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"الأحكام السلطانية (ص 5) .

وقال الطيبي في شرحه لحديث"ألا كلكم راعٍ ومسئول عن رعيته"في هذا الحديث أن الراعي ليس مطلوبًا لذاته، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك، فينبغي ألا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه. فتح الباري (13/113) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية"فالمقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم. مجموع الفتاوى (28/262) ."

02 الواجب على أصحاب الولايات أداء الأمانات لأهلها، والحكم بين الناس بالعدل، فإذا فعلوا ذلك كان حقًا على المسلمين أن يطيعوهم وينصروهم.

كما قال تعالى:"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل أن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعًا بصيرًا . يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا" [النساء، آية 59] .

قال ابن تيمية:"قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومفازتهم، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"مجموع الفتاوى ( 28/245) .

وقرر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه- تلك الواجبات والحقوق بقوله:"حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك كان حقًا على المسلمين أن يسمعوا ويطيعوا ويجيبوا إذا دُعوا"أخرجه الخلال في السنة (1/109) .

ومما يحسن ذكره هاهنا - ما سطره شيخ الإسلام ابن تيمية عند حديثه عما يجب على أصحاب الولايات والمسئوليات، حيث قال:"فيجب على كل من ولي شيئًا من أمر المسلمين من هؤلاء وغيرهم، أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية أو سبق في الطلب، بل يكون ذلك سببًا للمنع، فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما أو رشوة يأخذها منه من مال أو منفعة فقد خان الله ورسوله والمؤمنين."

إلى أن قال"ثم إن المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه يثيبه الله فيحفظه في أهله وماله بعده، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيذل أهله، ويذهب ماله وفي ذلك الحكاية المشهورة: إن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك، فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز قيل له: يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم وكان في مرض موته، فقال: أدخلوهم عليّ، فأدخلوهم، وهم بضعة عشر ذكرًا ليس فيهم بالغ، فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال لهم يا بنيّ والله ما منعتكم حقًا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين، إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني. فقال: فلقد رأيت بعض بنيه حمل على مائة فرس في سبيل الله، يعني أعطاها لمن يغزو عليها."

قال ابن تيمية: هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق (بلاد الترك) إلى أقصى المغرب ( بلاد الأندلس) ومن جزائر قبرص وثغور الشام إلى أقصى اليمن، وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئًا يسيرًا يقال: أقل من عشرين درهمًا.

قال: وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار، ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس - أي يسألهم بكفه-.

وفي هذا الباب من الحكايات والوقع المشاهدة في الزمان، والمسموعة عما قبله، ما فيه عبرة لكل ذي لب . مجموع الفتاوى (28/247-250) باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت