الحَمْدُ للهِ وَبَعْدُ ؛
يَتَشَدَّقُ الصُّوفِيَّةُ وَمِنْهُمُ الطَاغُوْتُ الجِفرِي بِأَنَّ لَهُمْ تَارِيْخاً فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ الإِسْلاَمِ ، وَهَذِهِ دَعوَى مُجَرَّدَة عَنِ الدَّلِيْلِ ، بَلِ الدَّلِيْلُ بضِدِّها ، فَهُم كَانُوا اليَدَ اليُمْنَى لِلغَرْبِ الصَّلِيْبِي ، وَلِذَلِكَ نَرَى عُبَّادَ الصَّليبِ يُشَجِعُونَ الطُّرَقَ الصُّوفِيَّةِ لِعِلْمِهِم أَنَّهَا سَبِيْلٌ إِلَى تَخدِيرِ الأُمَّةِ ، وَقَتلِ رُوْحِ الجِهَادِ فِيْهَا .
قَدْ يَقُوْلُ البَعْضُ:"إِنَّكَ تُبالِغُ"، فَأَقُوْلُ:"تَعَالَوْا مَعِي أُبَيِّنُ لَكُمْ بِالدَّلِيْلِ وَالبُرهَانِ".
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الوُكَيِّل فِي"هَذِهِ هِي الصُّوفِيَّةُ" ( ص 170 - 171 ) :"وَيَزْعُمُوْنَ أَنّ الصُّوفِيَّةَ جَاهَدْتْ حَتَّى نَشَرَتْ الإِسْلاَمَ فِي بِقَاعٍ كَثِيْرَةٍ ، وَلَقَدْ عَلِمْت مَا دِيْنُ الصُّوفِيَّةِ ؟ فَمَا نَشَرُوا إِلا أَسَاطِيْرَ حَمْقاء ، وَخُرَافَاتٍ بَلْهاء ، وَبِدْعاً بَلْقاء شَوْهَاء ...".ا.هـ.
نَأْخُذُ زَعِيمَ الصُّوفِيَّةِ أَبَا حَامِدٍ الغزَالِيَّ مِثالاً ، فَقَدْ عاصَرَ الحُرُوْبَ الصَّليبِيةَ وَلم يُشِرِ الغزَالِيُّ إِلَيْهَا ، وَلا أَظْهَرَ اهتمَاماً بِهَا .
قَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ فِي"البِدَايَةِ والنِّهايَةِ" (12/166 - 167) وَهُو يَصِفُ مَا فَعَلَهُ الفِرَنْجُ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ فِي شَعْبَانَ ، سَنَةَ 492 هـ:"أخذت الفرنجُ - لعنهم اللهُ - بيتَ المقدسِ - شرفهُ اللهُ - ، وكانوا في نحو ألفِ ألفِ مقاتلٍ ، وقتلوا في وسطهِ أزيدَ من ستين ألفِ قتيلٍ من المسلمين ، وجاسوا خلالَ الديارِ ، وتبروا ما علوا تتبيراً ."
قال ابنُ الجوزي: وأخذوا من حولِ الصخرةِ اثنين وأربعين قنديلاً من فضةٍ ، زنةُ كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة درهم ، وأخذوا تنوراً من فضة زنته أربعون رطلاً بالشامي ، وثلاثة وعشرين قنديلاً من ذهب ، وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق ، مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة والسلطان ، منهم القاضي أبو سعد الهروي ، فلما سمع الناس ببغداد هذا الأمر الفظيع هالهم ذلك وتباكوا ، وقد نظم أبو سعد الهروي كلاماً قرئ في الديوان وعلى المنابر ، فارتفع بكاء الناس ، وندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد ، فخرج ابن عقيل وغير واحد من أعيان الفقهاء فساروا في الناس فلم يفد ذلك شيئاً ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
فقال في ذلك أبو المظفر الأبيوردي شعراً:
مزجنا دمانا بالدموع السواجم * * * فلم يبق منا عرضة للمراجم
وشر سلاح المرء دمع يريقه * * * إذا الحرب شبت نارها بالصوارم
فأيهاً بني الإسلام إن وراءكم * * * وقائع يلحقن الذرى بالمناسم
وكيف تنام العين ملء جفونها * * * على هفوات أيقظت كل نائم
وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم * * * ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
تسومهم الروم الهوان وأنتم * * * تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الوُكَيِّل فِي"هَذِهِ هِي الصُّوفِيَّةُ" ( ص 170 - 171 ) تَعْلِيْقاً:"لقد عاش الغزاليُّ بعد ذلك ثلاثةَ عشر عاماً ، إذ مات سنة 505 هـ فما ذرف دمعةً واحدةً ، ولا استنهض همةَ مسلمٍ ، ليذوذ عن الكعبةِ الأولى ، بينما سواهُ يقولُ:"
أحل الكفرُ بالإسلامِ ضيماً * * * يطولُ عليه للدينِ النحيبُ
وكم من مسجدٍ جعلوه ديراً * * * على محرابهِ نصب الصليبُ
دمُ الخنزيرِ فيه لهم خلوف * * * وتحريقُ المصاحفِ فيه طيب
أهزَّ هذا الصريخُ الموجعُ زعامة الغزالي ؟
كلا ، إذ كان عاكفاً على كتبهِ يقررُ فيها أن الجمادات تخاطب الأولياءَ ، ويتحدثُ عن الصحو والمحو ، دون أن يقاتلَ ، أو يدعو حتى غيرهُ إلى قتالٍ !".ا.هـ."
وَقَالَ الدكتور زكي المبارك في"الأخلاق عند الغزاليّ" ( ص 25 ) :"أتدري لماذا ذكرتُ لك هذه الكلمةَ عن الحروبِ الصليبيةِ ؟ لتعرف أنه بينما بطرسُ الناسكُ يقضي ليله ونهاره في إعدادِ الخطبِ وتحبيرِ الرسائلِ لحث أهلِ أوروبا على امتلاكِ أقطارِ المسلمين ، كان الغزاليُّ"حجةُ الإسلامِ"غارقاً في خلوتهِ ، منكباً على أورادهِ ، لا يعرفُ ما يجبُ عليه من الدعوةِ والجهادِ".ا.هـ.