فهرس الكتاب

الصفحة 6673 من 27345

بقلم / د. محمد هشام راغب

مفكرة الإسلام: عندما تنتقل الفتاة من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ والمراهقة فإنها تنتقل إلى عالم جديد تمامًا عليها يصاحبه ثورة عارمة في جسدها ونفسها, ولعل هذا التغيير يكون أهم تغيير في حياتها كلها. وتكون الفتاة الصغيرة خلال هذا الانتقال شديدة الحاجة لأم تقف بجوارها تمدها بالحنان والحب, وتزودها بالمعلومة والفهم الصحيح والحوار الهادئ. وإن لم تجد الفتاة الصغيرة هذا العون فربما تنزلق لمشاكل نفسية خطيرة تشوه فترة حساسة في حياتها.

تتأرجح الفتاة في مرحلة البلوغ بين رغبتها في أن تعامل كفتاة كبيرة راشدة وبين رغبتها وحاجتها أن يهتم بها من حولها؛ ما يحدث إرباكًا للوالدين، ولكن لا مفر للوالدين من التحلي بالصبر في التعامل مع التغييرات المتلاحقة التي ستمر بفتاتهما الصغيرة، وعلى الأم أن تتحمل مسئوليتها في العبور بابنتها إلى بر الأمان في هذه المرحلة الحساسة.

يتراوح سن البلوغ لمعظم البنات بين 10 و14 سنة, وفي المناطق الحارة ربما يبدأ قبل ذلك، ولذلك تبدأ الأم من قبل سن العاشرة في حوار هادئ مع ابنتها حول ما سيطرأ على جسدها من تغيرات؛ كظهور الشعر في أماكن من جسمها وزيادة مطردة في طول قامتها وبروز ثدييها, وهذا التنبيه يساعد الفتاة ويشعرها بالطمأنينة عندما ترى وتلمس هذه التغيرات الفسيولوجية قد وقعت بالفعل. ويصاحب هذا الحوار زرع للثقة في نفس الفتاة بأن تبين لها الأم أنها أصبحت الآن فتاة كبيرة جميلة لها شخصيتها واحترامها, وأصبح لها حياؤها الذي يزينها ويزيدها جاذبية وجمالًا, ومما يساعد في بث هذه الثقة أن تبتعد الأم تمامًا عن العتاب والتوجيه المباشر, وأن تتجنب تعبيرات مثل 'أنا أكبر منك وأفهم هذه الأمور' و'أنتِ غلطانة في كذا و كذا...', بل تبدأ الحوار في كل مرة بذكر محاسنها وصفاتها الجميلة, ولا تمل من ذلك.

ثم تحدثها عما سيحدث عندما يأتيها الحيض لأول مرة، وهي تجربة شديدة الحساسية بعيدة الأثر في نفس كل فتاة، وتوضح لها أنها تغيرات طبيعية جدًا, وتشرح لها الشعور ببعض الآلام المصاحبة وهيئتها وكيف يحدث الحيض. وتغلف كل هذا بالمعاني الإيمانية الراقية، وتقول لها: إن الحيض هو الاستعداد الشهري للرحم لاستقبال البويضة الملقحة, والتي ستصبح بعد ذلك مولودًا, وأن كل هذه التغيرات التي ستطرأ عليها ما هي إلا إعداد لها لدورها العظيم ورسالتها الكريمة في الحمل والولادة والأمومة. ولتحذر الأم من انزلاق الحوار المطلوب إلى جدال وخلاف؛ فإن هذا يصيب العلاقة مع ابنتها بالفتور والضيق، ولتوطن الأم نفسها على الاستعداد للتنازل في بعض الأمور كلون الملابس ونوع الطعام, وتبدي في هذا مرونة يجعلها تلتقي مع ابنتها في منتصف الطريق عند حدوث خلاف في الرأي؛ لأن العصبية والتوتر اللذان يصاحبان فترة البلوغ يحتاجان إلى سعة صدر لاحتوائها.

وتوضح لها أن الأمر - مع ما يصاحبه من حياء طبيعي - لا يدعو إلى الخجل والانطواء أو الشعور بالعيب, ولما اشتكت عائشة للنبي صلى الله عليه و سلم أنها حاضت في حجة الوداع وهي محرمة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم بحنان وعطف: 'إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم...', يعنى لا عيب فيه ولا ذنب لها، ولما سألت أم سليم النبي صلى الله عليه وسلم عن احتلام النساء، أثنت عليها عائشة - رضي الله عنها - وقالت: 'نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين...'. ومعنى الكلام أن هناك فرقًا بين الحياء الطبيعي - وهذا شعور محمود مرغوب - و بين الخجل والإحساس بالعيب أو الذنب.

ومن الضروري أن تكون الأم قريبة من ابنتها عند حدوث الحيض لأول مرة, وتذكّرها بما قالته لها نظريًا, فهذا يشعر البنت بالثقة والاطمئنان عندما ترى أن ما سمعته قبل ذلك تراه الآن يظهر ويتحقق أمامها، وفي هذه الأيام الأولى للحيض تفيض الأم على فتاتها كلام الحب والحنان وتمزجه بكلام الإيمان حول حكمة الله تبارك وتعالى في خلقه ورحمته بهم في الإعداد المتدرج للمرأة لتتحمل مسئوليتها وعن قدرة الله في تهيئة الأسباب لحفظ النوع والنسل.

ومن المفيد أيضًا أن تتطرق الأم للكلام عن العلاقة مع الجنس الآخر, وأن فهم هذه العلاقة ليس سرًا أو معيبًا، وتحدثها عن حكمة الله تبارك وتعالى في خلق الإنسان من ذكر وأنثى, فيولد وله أب قوي يلبي حوائجه وأم حنون تحتويه، وليس من الضروري أن تغوص الأم في سرد تفاصيل العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة في هذه المرحلة, ولكن في نفس الوقت لا تتجاهلها بالكلية، بل تتحدث مع فتاتها بالقدر الذي يفهمها أن هذه العلاقة الطبيعية ليست عيبًا أو شيئًا مستقذرًا أو لا يصح الحديث عنه. إن تجنب الكلام تمامًا عن العلاقة بين الجنسين ربما يوقع الفتاة الصغيرة التي بلغت لتوها في مشكلتين كبيرتين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت